facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العمق الاستراتيجي للأردن والاعتداء الإيراني نموذجا


السفير محمد الكايد
28-09-2026 01:25 PM

حاول الأردن منذ نشأته البحث عن عمق استراتيجي له على المستوى الإقليمي والدولي لتخطي العواصف السياسية والأمنية والاقتصادية الكثيرة التي مرت بمحيطه الإقليمي فقد كان قدر الأردن ان يكون صغيرا بين جبران كبار ، وقدر له ايضا أن يكون فقير الموارد بين جيران أغنياء. كما كتب على الاردن ان يتحمل العبء الأكبر من تداعيات القضية الفلسطينية عسكرياً واقتصاديا وديموغرافيا. وعانى من عدم استقرار المنطقة الشيء الكثير، وظلم من بعض أشقاءه عبر التخوين ومن اعدائه عبر التهديد.

نبعت حاجة الأردن لإيجاد عمقه الاستراتيجي نتيجة قلة الإمكانيات والموارد الطبيعية مثل المياه ومصادر الطاقة ، وحجم اقتصاد صغير وعجز سنوي في الميزانية العامة، ووجود تيارات سياسية محلية تتنازعها أيدولوجيات مختلفة ، وموجات من اللاجئين والنازحين شكلت عبئا على موارده وتركيبته السكانية والاقتصادية يقابلها رغبة الحكم في ايجاد معادلة تضمن حفظ الأمن والاستقرار من جهة، وتأمين عيش كريم لمواطنيه وإطلاق عجلة التنمية من جهة أخرى.

لقد هبت عواصف وإعصارات سياسية كبيرة على الأردن وعلى المنطقة. وكان الأردن في عين العاصفة في مرات عديدة مثل فشل الاتحاد الهاشمي مع العراق، وخسارة الضفة الغربية ابان حرب ال ٦٧، واحداث ال ۷۰ ودخول القوات السورية إلى المنطقة الشمالية، ناهيك عن احداث معان والربيع العربي، إلا ان الأردن تمكن من المحافظة على نظام حكمه ووحدة تحالفات سياسية وأمنية واقتصادية ديناميكية ومتغيرة وخطى الأردن بنجاح في حقل الالغام الدولي والاقليمي لإيجاد عمق استراتيجي له ليساعده في التغلب على ضعف الإمكانيات وقلة الموارد وعدم الاستقرار الإقليمي.

فمنذ اعتماد الأردن على الدعم الإنكليزي في بداية استقلاله وتحوله إلى الولايات المتحدة تدريجيا بعد الحرب العالمية الثانية ، إضافة إلى علاقاته الجيدة مع المعسكر الغربي بشكل عام فقد رسخ الأردن علاقات مستدامة على المستوى الدولي ظلت مستمرة بشكل مؤسسي وتطورت إلى عدة مستويات سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا.

وبالرغم من بعض فترات البرود القصيرة التي شابت العلاقة بينهما نتيجة تطورات القضية الفلسطينية في المقام الاول وخاصة بعد حرب عام ١٩٦٧ ، اضافة إلى سوء الفهم الذي ساد العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الغربية عموما بعد الغزو العراقي للكويت. إلا انه يمكن القول بان الأردن الرسمي استطاع ان يحافظ على علاقة مستقرة مع المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية الغربية تمكن خلالها من خلق حلف استراتيجي دولي يستند اليه في درء المخاطر وجلب المنافع ضمن أطر تعاون تشمل اتفاقيات ومذكرات تفاهم وخطط عمل يحقق كل طرف فيها مصالحه. ولم يكن هذا ليتحقق لولا المكانة السياسية والمصداقية الأردنية والاعتدال السياسي والدور المتزن الذي يقوم به الأردن.

واذا كان التعاون الاستراتيجي للأردن على المستوى الدولي قد شابه نوعا من الاستقرار، إلا أن الحديث على المستوى الإقليمي له قصة مختلفة. فقد تميزت تلك الفترة بعدم الاستقرار الإقليمي كانت من ابرز ظواهرها عدد الانقلابات التي شهدتها الدول المجاورة للأردن منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي. وسادت العالم العربي تيارات سياسية مختلفة مثل المد القومي والناصري والتيارات الشيوعية والاشتراكية وحزب البعث العربي الذي حكم على حدود الأردن الشمالية والشرقية. اضافة إلى تبعيات النضال المسلح الفلسطيني والحروب مع دولة إسرائيل التي أدت إلى النكسات والنكبات.

في خضم القلاقل وعدم الاستقرار الذي مر على المنطقة، تميزت العلاقة الأردنية مع دول الخليج العربي بالتقارب السياسي والاقتصادي والعسكري نظرا لتشابه طبيعة أنظمة الحكم بينهما حيث وفرت هذه العلاقة للاردن تحالف وعمق استراتيجي مكنه من تجاوز تلك الفترة العصيبة كما وحاول الأردن في تلك الفترة تحقيق نوع مع العلاقة الاستراتيجية مع النظام البعثي والاشتراكي في سوريا وصل إلى حد التنقل بين البلدين بواسطة الهوية الشخصية. ولكن سرعان ما توقف هذا التنسيق نظرا لاختلاف التوجه الأردني عن التوجه السوري لينتقل بعدها الأردن إلى ايجاد عمق استراتيجي آخر له في العراق تجلى في تضامن رسمي وشعبي اردني مع العراق في حربه مع ايران دفاعا عن البوابة الشرقية للامة العربية قبل ان خرج العراق عن مبادئ الامن القومي العربي بعزوه للكويت.

ظل الأردن ببحث في النظام الإقليمي عن علاقة تحالفية طويلة الأمد تؤمن له العمق المطلوب ولكن الأحداث اثبتت ان الجغرافيا السياسية لا يمكن لوحدها أن توفر امنا استراتيجيا دائما للأردن تساعده على استيعاب الصدمات وغير قادرة على توفير دعم سياسي واقتصادي وعسكري من دول إقليمية تعاني نفسها من عدم الاستقرار.

ساهمت التغيرات الاقليمية والدولية في تغيير المفهوم الأردني لعلاقاته الاستراتيجية. فقد ادى تحول النظام العالمي من ثنائية القطبية إلى أحاديثه وانفراد الولايات المتحدة بالزعامة العالمية إلى اعادة ضبط المصالح الأردنية. كما ساهمت الأحداث التي شهدتها المنطقة مثل حرب الخليج الاولى والثانية وانفراط مفهوم الامن القومي العربي في احداث التغيير على الاستراتيجية الأردنية، ناهيك عن بروز القطرية العربية على حساب القومية والمصير المشترك وقلت أهمية المقولة الأردنية بامتلاكه اطول خطوط المواجهة مع اسرائيل وبانه يشكل خائط صد عن العمق العربي ضد الأطماع الاسرائيلية. وساهم دخول الاردن في معاهدة سلام مع اسرائيل في تغير مفهوم التحالفات بعد أن اتخذت القضية الفلسطينية مسارا آخر بعد اتفاقية أوسلو.

ادرك الأردن أن موقعه الجغرافي وحده لم يعد هو العامل الوحيد لاستدامة تحالفات استراتيجية طويلة المدى . وأيقن بان العمق الاستراتيجي يتطلب أكثر من موقع جغرافي بمفرده بل يتعداه ليشمل تعاون عسكري واستخباراتي ومظلة أمنية وترتيبات لوجيستية. وأصبح العمق الاستراتيجي الأردني يقوم على تشخيص المصلحة الأردنية بغض النظر عن المكان او الزمان. ولم يعد الموقع هو الأساس الوحيد الذي تبنى عليه المصالح الأردنية حيث أقام الأردن في الحقبة الأخيرة شبكة مصالح وعلاقات تتجاوز العامل الجغرافي ليصبح مفهوم العمق الاستراتيجي الأردني مفهوم شمولي عابر للقارات وليس محصورا بمنطقة جغرافية محددة أو دولة بعينها. وتوسع المفهوم ليشمل بالإضافة إلى المصلحة العليا التنوع في العلاقات والقدرة على المناورة والحركة والانخراط الإيجابي مع المجتمع الدولي والقضايا الأممية.

وتبرز أهمية هذا التحول في الموقف الاستراتيجي الذي اتخذه الاردن من المواجهة الإيرانية الامريكية الراهنة. فقد أظهرت العمليات العسكرية بان الموقع الجغرافي لوحده غير قادرة على درء الاعتداء عن الاردن في ظل قدرة الصواريخ الإيرانية على الوصول إليه . ولم يعد موقع الأردن البعيد جغرافيا يمنحه الحصانة او يسعفه من تحمل تبعيات تلك الحرب . وبنفس الوقت ، فان حرص الأردن على عدم الانجرار إلى حرب يعتبرها ليست حربه هو تغليب للمصلحة العليا الأردنية ، وهو الموقف السياسي الذي يظهر اعتماد الأردن على مبدأ المصالح المتمثل في تجنب توسيع المواجهة بدلا عن اعتماد مبدأ الجغرافيا السياسية في تكريس مفهومه الجديد الذي يحفظ امنه واستقراره وما لقاء وزير الخارجية الأردني مع نظيره الإيراني مؤخرا في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة إلا مثالا على عدم كفاية الجغرافيا وضرورة تغليب المصلحة الأردنية في عدم الانجرار إلى الحرب لحفظ الأردن من تبعياتها.

لم تفقد الجغرافيا السياسية الأردنية أهميتها ، فلا زال موقع الأردن مهما عسكريا وأمنيا ، ولكنها اصبحت لوحدها غير كافية لتحقيق مصالحه القومية العليا. وهذا لا يعني بالضرورة تخلي الأردن عن محيطه العربي او فك ارتباطه بالقضايا العربية بل هو تطور طبيعي لمصالح الدولة الأردنية تبعا للتغيرات الاقليمية والدولية وأيقن الأردن بانه في الوقت الذي لا يستطيع تغيير الجغرافيا بالمعنى الحرفي إلا انه يستطيع تغيير المعنى السياسي لها عبر جعل مصالحه هي أداة الحركة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :