الكرك .. تسمو فيها الأخوّة والوفاء، وترتقي فوق الاختلاف
محمد مطلب المجالي
28-09-2026 06:54 PM
هذه هي الكرك؛ وطنٌ لا يسكن المكان فيه وحده، بل يسكن القلوب والذاكرة. فيها تكبر العِشرة بين الناس، وتبقى المحبة حاضرة في الأفراح كما في لحظات الفقد، ويصبح الوقوف إلى جانب الآخر فعلًا طبيعيًا من أفعال الوفاء والأصالة.
وفي عزاء المربي الفاضل، الأستاذ الراحل مهند الحجازين، كان ثمة مشهد إنساني دافئ يستحق أن نتوقف عنده. فقد التقى فضيلة الدكتور عبدالحميد المجالي بالأب بطرس حجازين، ابن عم الفقيد، والعامل في بطريركية القدس، والذي كان أحد تلاميذه في جامعة مؤتة.
لم يكن اللقاء مجرد مصافحة في مجلس عزاء؛ كان لقاءً بين معلم وتلميذ جمعتهما سنوات من العلم والذكريات. ولعل أجمل ما في المشهد أن السنوات لم تستطع أن تمحو تلك العلاقة التي بدأت في مقاعد الجامعة، فبقي التقدير في مكانه، وبقيت للمعلم مكانته في قلب تلميذه.
وفي مجلسٍ يغلب عليه الحزن على فراق الراحل مهند، بدت تلك اللحظة وكأنها تقول إن الإنسان يترك وراءه أكثر مما يظن؛ يترك أثرًا في تلاميذه، وفي أهله، وفي كل من عرفه، وتبقى الذكريات الجميلة حاضرة حتى في أكثر لحظات الحياة ألمًا.
صدرُها مسلمٌ، وعجزُها مسيحيٌ
وفي القلبِ عهدُ الوفا والرجولةِ لا يزولُ
وهنا تتجلى أجمل معاني الإسلام؛ حين يتحول الدين إلى رحمة في التعامل، وكرم في الأخلاق، واحترام للإنسان، وتسامح يفتح القلوب بدل أن يغلقها. فالإسلام في عظمته رسالة رحمة ومغفرة وحسن خلق، وما أجمل أن يرى الناس هذه المعاني في حياتهم اليومية، وفي علاقاتهم ومواقفهم، لا في الكلمات وحدها.
وما جرى في ذلك العزاء ليس مشهدًا يحتاج إلى كثير من الشرح؛ يكفي أن نراه كما هو: معلم يلتقي تلميذه، وأبناء عائلة يودّعون فقيدهم، وقلوب يجمعها الحزن والمحبة والوفاء. وفي مثل هذه اللحظات تتراجع كل الفوارق، ويبقى الإنسان بأخلاقه ومحبته وموقفه.
هذه هي الكرك التي نحبها ونعتز بها؛ كرك العِشرة الطيبة، والبيوت المفتوحة، والموقف النبيل، والقلوب التي تعرف كيف تقف مع بعضها في الشدة قبل الرخاء.