الجامعات الأردنية من التحول إلى التأثير
د. رنيم الشوابكة
29-09-2026 10:55 AM
لم يعد السؤال المطروح أمام الجامعات الأردنية هو مدى إدراكها لأهمية التحول الاستراتيجي، فقد شهد قطاع التعليم العالي خلال السنوات الماضية خطوات متقدمة في تطوير الخطط الاستراتيجية، وتعزيز الجودة، والتوسع في الخدمات الرقمية، وتحديث بعض البرامج الأكاديمية بما يتوافق مع المتغيرات المتسارعة. وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف تنتقل الجامعات من مرحلة تبني مبادرات التحول إلى مرحلة صناعة أثر حقيقي ومستدام ينعكس على المجتمع والاقتصاد والقدرة التنافسية الوطنية؟
فالتحول الاستراتيجي لا يقاس بعدد الخطط التي تضعها المؤسسات، ولا بحجم الأنظمة التقنية التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على تغيير طريقة عملها، وتعظيم أثر معرفتها، وتحويل إمكاناتها البشرية والبحثية إلى قيمة مضافة. ومن هنا فإن التحدي القادم أمام الجامعات الأردنية لا يتمثل في بدء التحول، بل في تعميقه وتحويله إلى ممارسة مؤسسية واضحة النتائج.
لقد أدركت الجامعات الأردنية أهمية التحول الرقمي وتطوير التعليم والارتقاء بجودة المخرجات، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية أكثر تكاملًا تجعل التكنولوجيا جزءًا من منظومة أوسع تشمل تطوير المناهج، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وبناء شراكات فاعلة مع القطاعات الاقتصادية، وإعداد خريجين يمتلكون المهارات التي يحتاجها المستقبل.
كما أن تعزيز دور الجامعة في التنمية الوطنية يتطلب إعادة النظر في مفهوم النجاح الجامعي، بحيث لا يرتبط فقط بأعداد الطلبة والخريجين أو المؤشرات التقليدية، بل بقدرة الجامعة على إنتاج المعرفة، وتقديم حلول للتحديات الوطنية، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، والمساهمة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة.
إن المرحلة القادمة تحتاج إلى قيادات جامعية تنظر إلى التحول بوصفه تغييرًا في الثقافة المؤسسية وليس مجرد مشاريع منفصلة، قيادات قادرة على توظيف البيانات في اتخاذ القرار، وتمكين أعضاء هيئة التدريس، وتشجيع المبادرات، وبناء بيئة جامعية أكثر مرونة وانفتاحًا على المجتمع والقطاع الخاص.
فالجامعة الأردنية اليوم لا تبدأ من الصفر، لكنها تقف أمام استحقاق جديد يتمثل في الانتقال من تحسين الأداء إلى صناعة التأثير. وهذا هو جوهر التحول الاستراتيجي الحقيقي: أن تصبح الجامعة مؤسسة لا تواكب التغيير فقط، بل تسهم في قيادته وتوجيهه بما يخدم أولويات الوطن ومستقبله.