ما الذي يجب أن يقدمه يسار وطني أردني في موضوع المديونية ؟
المحامي الدكتور هيثم عريفج
29-09-2026 12:52 PM
تجاوز إجمالي الدين العام الأردني 50 مليار دينار، المشكلة ليست في الرقم وحده، بل في المسار الذي يقف خلفه. فكلما ارتفعت المديونية زادت كلفة خدمتها، وأصبح جزء متزايد من احتياجات التمويل مرتبطا بسداد ديون سابقة وإعادة تمويلها بديون جديدة.
في موازنة 2026، يذهب جزء كبير من استخدامات التمويل إلى إطفاء الدين الداخلي والسندات وأقساط القروض المستحقة، أي أننا لا نقترض لبناء مشاريع جديدة، بل للوفاء بالتزامات سبق أن تراكمت علينا.
الحكومة تقول إنها تعمل على استبدال الديون مرتفعة الكلفة بقروض ميسرة وأقل فائدة، وهذا قد يخفف الكلفة، لكنه لا يعالج أصل المشكلة ما دام العجز والحاجة إلى الاقتراض مستمرين. فالدين يولد فوائد، والفوائد تضغط على الموازنة، والحاجة إلى إعادة التمويل تضيق مساحة القرار المالي وتزيد ارتباطنا ببرامج التمويل الخارجية ومتطلباتها.
الأردن ملتزم حاليا ببرنامج مع صندوق النقد الدولي يتضمن أهدافا تتعلق بالعجز والدين والإيرادات وكفاءة الإنفاق وإصلاح قطاعات المياه والطاقة وغيرها.
هذا الوضع لا يحتمل أن نتعامل مع المديونية باعتبارها رقما محاسبيا يتكرر كل عام. إنها قضية سياسية واقتصادية واجتماعية، لأن كل دينار يذهب لخدمة الدين هو دينار يصعب إنفاقه على مدرسة أو مستشفى أو نقل عام أو مشروع يخلق فرص عمل.
من هنا يأتي النقاش حول يسار وطني أردني يضع الأردن في أعلى سلم أولوياته؛ لا يستورد أيديولوجيات الماضي، ولا يرتبط بمحاور خارجية، ولا يعارض لمجرد المعارضة، بل يعتبر أن حماية الدولة تبدأ بإصلاحها، وأن حماية المواطن تبدأ بالعدالة والمساءلة وسيادة القانون.
هذا اليسار، وفق هذا الطرح، يجب أن يسأل بوضوح: لماذا ارتفع الدين؟ أين ذهبت الأموال؟ ما الذي أنتجته؟ من يتحمل مسؤولية القرار الخاطئ أو المشروع الفاشل؟ فالوطنية لا تعني الصمت عن التقصير، والمحاسبة لا تعني استهداف الدولة؛ بل حماية مؤسساتها ومالها العام من استمرار الخطأ.
النقد دون بديل لا يكفي. البديل الديمقراطي الاجتماعي يبدأ بالانتقال من اقتصاد الاقتراض والضرائب إلى اقتصاد الإنتاج والتشغيل ، بدعم الصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وربط أي اقتراض جديد قدر الإمكان بمشروع منتج يخلق عملاً ودخلاً وقيمة مضافة للاقتصاد.
يحتاج أيضاً إلى نظام ضريبي أكثر عدالة، يخفف الاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة التي تثقل الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل، ويكافح التهرب ويحمل العبء بصورة أكبر وفق القدرة على الدفع، من دون معاقبة الاستثمار والإنتاج.
أما اجتماعيا، فالتعليم والصحة والمياه والنقل ليست نفقات يمكن التضحية بها كلما ضاقت الموازنة ، إنها استثمار في الإنسان وفي قدرة الاقتصاد نفسه على النمو. والعدالة الاجتماعية لا تعني توزيع المساعدات، بل توزيع الفرص بحيث لا يتحدد مستقبل المواطن بدخل أسرته أو المحافظة التي وُلد فيها.
القطاع الخاص ليس خصما في هذه المعادلة. الأردن يحتاج قطاعا خاصا قويا ومستثمرا، لكن ضمن قواعد تحمي المنافسة وحقوق العمال، وتمنع الاحتكار، وتضمن أن ينعكس النمو على الأجور وفرص العمل والمجتمع، لا على الأرباح وحدها.
سياسيا، لا إصلاح اقتصاديا بلا مساءلة وسيادة قانون: مال عام تحت الرقابة، حكومة تشرح قراراتها، مؤسسات تحاسب عند التقصير، وقضاء مستقل، وبرلمان يمارس دوره الرقابي بجدية.
المشكلة في النهاية ليست أن الأردن يقترض ، فالدول تقترض. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاقتراض إلى حل دائم للعجز، ثم نحتاج إلى اقتراض جديد لخدمة التزامات قديمة، فتتراكم الفوائد وتضيق خياراتنا الاقتصادية عاماً بعد عام.
هنا يصبح معنى اليسار الوطني الأردني واضحا: الأردن أولا، اقتصاد منتج بدلا من اقتصاد المديونية، عدالة اجتماعية لا تفقر الطبقة الوسطى، قطاع خاص قوي ومسؤول، ومحاسبة لا تستثني أحدا.
لا يكفي أن ندير الدين بكفاءة أكبر . المطلوب أن نغير السياسات التي تجعلنا بحاجة دائمة إليه.