facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التدريس .. مهنة تتعب أصحابها قبل أن تصنع أجيالها


موفق جباعتة
29-09-2026 01:42 PM

نصيحتي لكل شاب أو فتاة يفكران في اختيار مهنة التدريس: فكّروا جيدًا قبل أن تخطوا هذه الخطوة.

هذه النصيحة قد تبدو قاسية، وربما يختلف معي فيها كثيرون، لكن من يعمل في الميدان التربوي يعرف أن التدريس لم يعد كما كان قبل سنوات.

فالمعلم اليوم لا يدخل الصف ليشرح درسًا وينتهي الأمر، وإنما يدخل وهو يعرف أنه أمام تحديات تربوية وسلوكية ونفسية واجتماعية متشابكة، وكل واحدة منها تحتاج إلى وقت وجهد وصبر.

المشكلة لا تكمن في الطلاب وحدهم، ولا يجوز تحميل جيل كامل المسؤولية. لكن من الصعب أيضًا تجاهل التغير الكبير الذي طرأ على سلوك بعض الطلبة وطريقة تفكيرهم. نحن أمام جيل نشأ في زمن مختلف تمامًا؛ الهاتف في يده منذ سنواته الأولى، والألعاب الإلكترونية والمحتوى السريع جزء أساسي من حياته اليومية، وأصبح الوصول إلى أي معلومة أو ترفيه أو وسيلة للتواصل متاحًا خلال ثوانٍ.

وفي المقابل، تبدو المدرسة بالنسبة إلى بعض الطلبة مكانًا يفرض عليهم قيودًا لا يعتادونها في عالمهم الرقمي: قوانين، وقت محدد، واجبات، التزام، انتظار، واستماع للآخر.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالمعلم يريد أن يشرح، بينما يحتاج جزء من الطلبة إلى من يعلّمهم أولًا كيف يستمعون. يريد أن يحقق أهداف المنهاج، لكنه يجد نفسه أحيانًا منشغلًا بسلوكيات بسيطة كان من المفترض أن تكون بديهية: احترام المعلم، احترام الزملاء، الالتزام بالوقت، المحافظة على الهدوء، وتحمل مسؤولية الخطأ.

وليس من العدل القول إن الجيل الحالي لا يعرف الاحترام. هناك طلاب متميزون ومحترمون ومجتهدون، وبعضهم يمنح معلمه سببًا للاستمرار في هذه المهنة رغم كل الصعوبات. لكن المشكلة أن السلوكيات السلبية أصبحت أكثر حضورًا، وأن التعامل معها بات يستهلك من وقت المعلم وطاقته ما كان يمكن أن يخصصه للتعليم نفسه.
والأمر لا يتوقف عند الطالب.

المعلم اليوم يجد نفسه أمام أعباء متزايدة: تحضير، وتصحيح، وامتحانات، ومتابعة، وتقييم، وأنشطة، ومتطلبات إدارية، إلى جانب مسؤوليته الأساسية داخل الصف. وفي الوقت نفسه، يُطلب منه أن يكون معلمًا ومربيًا ومرشدًا ومتابعًا ومحلًا للمشكلات، وكأن المدرسة مطالبة وحدها بإصلاح كل ما يختل خارجها.

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
المعلم ليس مسؤولًا وحده عن تربية الأبناء.
الأسرة لها دور، والمدرسة لها دور، والمجتمع له دور، والإعلام والمنصات الرقمية لها دور. ولا يمكن أن نطلب من المعلم أن يقضي خمس أو ست ساعات مع الطالب ثم نحمّله مسؤولية سنوات كاملة من التربية والتنشئة.

الأخطر أن بعض الناس ما زال ينظر إلى التدريس باعتباره مهنة سهلة: ساعات عمل محددة، وعطلة صيفية، وينتهي الأمر. وهذه الصورة بعيدة جدًا عن واقع كثير من المعلمين.

من لم يقف أمام صف مليء بالطلاب ويحاول إيصال فكرة وسط الضجيج والحركة والمقاطعات، ثم يعود إلى منزله ليبدأ بتصحيح عشرات الدفاتر والتحضير لليوم التالي، قد لا يدرك حجم الجهد الحقيقي الذي تبذله هذه المهنة.

لذلك، عندما أقول: ابتعدوا عن مهنة التدريس، فأنا لا أقصد التقليل من شأنها، بل على العكس تمامًا.
إنها من أهم المهن وأكثرها تأثيرًا في المجتمع، لكنها أصبحت تحتاج إلى شخص يعرف منذ البداية حجم المسؤولية التي سيحملها.

من يدخل التعليم بحثًا عن الراحة، سيكتشف سريعًا أنه اختار الطريق الخطأ. أما من يدخله لأنه يؤمن برسالة التعليم، ويملك الصبر، ويستطيع التعامل مع تغيرات الأجيال، ويعرف أن نجاحه قد يظهر بعد سنوات وليس في نهاية الحصة، فسيجد في هذه المهنة معنى لا توفره كثير من المهن الأخرى.

لكن حتى هؤلاء يحتاجون إلى شيء أساسي: التقدير. لا يمكن أن نطالب المعلم بالعطاء المستمر ثم نتعامل مع جهده وكأنه أمر مفروغ منه. ولا يمكن أن نطلب منه بناء جيل يحترم الآخرين، بينما لا نحترم نحن مهنته ودوره.

الجيل القادم قد يكون أكثر تحديًا، وهذه ليست دعوة إلى الخوف منه أو الحكم عليه مسبقًا، وإنما دعوة إلى الاستعداد له. التكنولوجيا ستتغير، وسلوك الطلبة سيتغير، وطريقة التعلم ستتغير، لكن الحاجة إلى المعلم ستبقى.

لذلك، ربما لا تكون المشكلة في أن نقول للشباب: لا تدخلوا مهنة التدريس، وإنما أن نقول لهم بصدق:
إذا اخترتم التعليم، فاعرفوا جيدًا ماذا ينتظركم.
إنها مهنة قد تستنزفك، وقد تجعلك تعود إلى بيتك متعبًا، وقد تمر عليك أيام تتساءل فيها عن جدوى كل ما تفعله.

لكن في المقابل، قد يأتيك بعد سنوات طالب يقول لك:
"أستاذ، أنت غيرت حياتي."
وعندها فقط، ستفهم لماذا بقيت في هذه المهنة رغم كل شيء.
فالتعليم ليس مجرد وظيفة... لكنه أيضًا ليس مهمة يمكن أن ينجح فيها المعلم وحده. إنه مسؤولية مجتمع كامل، وإذا أردنا جيلًا أفضل، فعلينا أن نساند من يقف كل يوم أمام هذا الجيل ويحاول أن يصنع منه إنسانًا أفضل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :