facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يقول الملك: المسيحيون جزء من حكاية الأردن


بهاء الشنتير
29-09-2026 06:51 PM

حين يؤكد جلالة الملك عبدالله الثاني أن الأردن مستمر في الحفاظ على الوجود المسيحي في المنطقة، فهو لا يعلن موقفًا عابرًا في لقاء مع رجل دين، ولا يضيف جملة جديدة إلى خطاب التعايش؛ بل يجدد التزامًا أردنيًا يرى في بقاء المسيحيين في هذه الأرض جزءًا من بقاء المنطقة نفسها على صورتها التاريخية والحضارية.

وفي استقبال جلالته لبطريرك بلغاريا ومتروبوليت صوفيا كيريوس كيريوس دانييل، جاءت الرسالة الملكية واضحة ومترابطة: حماية الوجود المسيحي، ورعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والتمسك بالوصاية الهاشمية عليها، ثم دعوة الكنيسة البلغارية إلى المشاركة في إحياء الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح في الأردن عام 2030.

هذه ليست ملفات منفصلة.
إنها، في الرؤية الأردنية، قضية واحدة عنوانها حماية روح المكان.

فحين يدافع الأردن عن الوجود المسيحي في المنطقة، فإنه يدافع عن مكوّن أصيل من تاريخ المشرق، وعن جماعات لم تأتِ إلى هذه الأرض من خارج روايتها، بل كانت جزءًا من تكوينها منذ بدايات المسيحية.

وحين يتمسك بدوره في القدس، فإنه لا يتحدث عن مقدسات إسلامية وحدها، بل عن منظومة دينية وتاريخية متكاملة تشمل المقدسات المسيحية أيضًا، في إطار الوصاية الهاشمية.

وحين يضع المغطس في قلب التحضيرات لعام 2030، فإنه يذكّر العالم بأن الأردن لا يحمل فقط جغرافيا مقدسة، بل يحمل مواقع حاضرة في الذاكرة المسيحية العالمية.
هنا تكمن أهمية الموقف الملكي: الأردن لا يريد للمسيحية أن تُعامل كذكرى في موطنها التاريخي، بل كحضور حيّ له مكانه وحقه ودوره ومستقبله.

ولذلك لم تأتِ دعوة الملك إلى إحياء ذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030 من فراغ. فمنذ أيار الماضي، وجّه جلالته الحكومة إلى تبني ودعم المبادرة، وأكد متابعته المباشرة لخطة تنفيذها، بما يشمل تطوير البنية التحتية والخدمات في موقع المغطس، وترسيخ مكانته ضمن خريطة الحج المسيحي العالمي.

واليوم، يأتي بطريرك بلغاريا إلى الأردن، ويزور المغطس، ويتبرك من مياه نهر الأردن، ويطلع على إرث الموقع ومعالمه؛ ثم يلتقي الملك في عمّان.
التسلسل هنا بحد ذاته يحمل معنى.
المكان المقدس أولًا، ثم الرسالة السياسية التي تحمي معناه.
فالأردن لا يقدم المغطس بوصفه موقعًا سياحيًا فحسب، ولا يقدم المسيحية بوصفها موروثًا ثقافيًا يمكن وضعه في متحف؛ بل يتعامل معهما باعتبارهما جزءًا حيًا من هوية المنطقة ورسالتها.
وهذا ما يجعل عام 2030 أكبر من مناسبة دينية.
إنه موعدٌ يريد الأردن أن يدخل إليه وهو يقول للعالم: هنا، على ضفاف نهر الأردن، ما زالت الأرض تحفظ قصةً دينيةً وحضاريةً عمرها ألفا عام؛ وهنا دولةٌ ترى أن واجبها ليس فقط استقبال الحجاج، وإنما حماية المكان الذي جاؤوا إليه، وصون الإرث الذي يمنحه قيمته.
وقد تحولت هذه الرؤية بالفعل إلى عمل مؤسسي؛ فالأردن بدأ الاستعداد الوطني للمناسبة، وشُكّلت لجنة وطنية عليا، كما وُقعت في آب أربعة اتفاقيات لمشروعات مرتبطة بتطوير الأراضي المحيطة بالمغطس، بقيمة تقديرية تبلغ 120 مليون دولار، ضمن الاستعدادات لاحتفالية 2030.
لكن خلف كل هذه المشاريع تبقى الفكرة الأهم: المغطس ليس مشروعًا سياحيًا أردنيًا فحسب؛ إنه مسؤولية تجاه ذاكرة دينية تتجاوز حدود الأردن.
وهنا تتقدم الهاشمية في صورتها الأكثر هدوءًا والأبعد أثرًا.
فالوصاية على المقدسات لا تُفهم فقط بوصفها مكانةً تاريخية أو عنوانًا سياسيًا، وإنما باعتبارها مسؤولية مستمرة تجاه مقدسات تتجاوز ملكيتها الرمزية حدود الطوائف والدول.
ولهذا يربط الأردن، في خطابه، بين القدس والمغطس، وبين حماية المقدسات وحماية الإنسان، وبين التعايش والحفاظ على الوجود المسيحي.
إنها رؤية تقول ببساطة إن المقدس لا يُحمى بإقصاء أحد، وإن الهوية لا تقوى بمحو هوية أخرى.
وربما لهذا جاء تقدير بطريرك بلغاريا لرعاية الملك للأماكن المقدسة المسيحية وجهوده للحفاظ على الوجود المسيحي في المنطقة، وإشادته بالأردن كنموذج للسلام والتعايش والوئام بين الأديان.
لكن الأهم أن الأردن لا يتحدث عن التعايش باعتباره صورةً يريد أن يبيعها للعالم.
إنه يتعامل معه باعتباره حقيقة يريد أن يحافظ عليها.
فالمسيحي الأردني ليس زائرًا إلى تاريخ بلاده، والكنيسة ليست جسمًا غريبًا عن المشهد الوطني، والمقدس المسيحي ليس عنصرًا سياحيًا يُستثمر في مواسم الزيارة.
كل ذلك جزء من الأردن.
ولهذا فإن الحفاظ على الوجود المسيحي لا يعني حماية فئة من فئة، بل حماية صورة الأردن نفسه؛ الأردن الذي تشكلت هويته عبر قرون من التعدد الديني والحضاري، والذي يرى أن قوته في قدرته على أن يكون وطنًا للجميع دون أن يطلب من أحد أن يتخلى عن جذوره.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تأتي هذه الرسالة الملكية في هذا التوقيت.
فالمنطقة لا تواجه فقط صراعات على الأرض، وإنما تواجه أيضًا صراعات على الذاكرة والرواية والهوية.
وحين تُقتلع جماعة من مكانها، لا يخسر المكان سكانه فقط؛ يخسر جزءًا من روايته.
وحين تُهمل كنيسة، أو يُمس مسجد، أو تُغيّب ذاكرة دينية، فإن الخسارة لا تقع على أتباع ذلك الدين وحدهم، بل على المنطقة بأسرها.
لذلك، فإن موقف الأردن يتجاوز حماية الحاضر إلى الدفاع عن حق المستقبل في أن يرث تاريخًا كاملًا، لا تاريخًا منقوصًا.
وهذه هي قوة الرسالة الملكية.
أن تقول للعالم إن الأردن لا يريد منطقةً بلا مسيحيين، ولا قدسًا بلا تعدد، ولا تاريخًا يُكتب بلون واحد.
يريدها أرضًا بقيت فيها الذاكرة حيّة.
ويريد للأردن أن يبقى المكان الذي يستطيع فيه المسلم والمسيحي أن ينظر إلى مقدس الآخر دون خوف، وأن يرى فيه جزءًا من تاريخ المنطقة لا تهديدًا له.
وبين القدس والمغطس، تتضح الصورة كاملة:
الملك لا يتحدث فقط عن حماية الوجود المسيحي؛ إنه يدافع عن حق المنطقة في أن تبقى المنطقة التي عرفها التاريخ.
ولهذا فإن رسالة الأردن ليست: تعالوا وانظروا إلى مقدساتنا.
بل أعمق من ذلك:
تعالوا وانظروا إلى أرضٍ ما زالت تؤمن بأن حماية مقدسات الآخر هي، في النهاية، حمايةٌ لروحها هي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :