facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المزاج العام بين الصفو والعَكِر .. الأردنيون نموذجاً


أ.د سلطان المعاني
29-09-2026 09:53 PM

يتبدّل مزاجُ الناس كما يتبدّل وجهُ السماء؛ تصفو ساعةً، وتعبرها غيمةٌ في ساعة أخرى. غير أنّ المزاج العام أعمق من انفعال عابر. إنّه حصيلة ما يتراكم في البيوت والشوارع وأماكن العمل من تجارب، وما يتداوله الناس من أخبار، وما يتوقعونه من الغد. وقد يضحك المرء في مجلس أصدقائه، ثم يعود إلى بيته مثقلاً بسؤال العمل أو كلفة المعيشة أو مستقبل أبنائه. يظلّ الفرح حقيقيّاً، ويظلّ القلق حقيقيّاً أيضاً.

يعرف الأردنيون هذه المسافة بين الصفو والعَكِر. في حياتهم اليومية قدرةٌ على الألفة، وعلى صناعة المناسبة من لقاء صغير؛ فنجان قهوة، وحديث عند باب الدار، ومزحة تخفّف وطأة نهار طويل. وتظهر في أوقات الشدة رغبةٌ في السؤال عن الآخر ومساندته، كأنّ العلاقة بين الناس موردٌ يعودون إليه كلما ضاقت بهم الحال. لكنّ تلك القدرة على الاحتمال تتعرض للاستنزاف حين تطول الضغوط، ويصبح تدبير اليوم الواحد عملاً شاقّاً يتكرر كل صباح.

للصفو في الأردن مصادره القريبة: أسرة تجتمع، وطالب ينجح، وشاب يجد فرصةً تليق بسنوات تعلّمه، ومريض يلقى عنايةً تحفظ كرامته. وللعَكَر مصادر واضحة كذلك: دخلٌ تسبقه الالتزامات، وانتظارٌ يطول أمام أبواب العمل، وشعورٌ بأنّ الجهد المبذول قد يعجز عن تأمين حياة مستقرة. يتشكل المزاج العام من تكرار هذه الخبرات؛ من عدد المرات التي يعود فيها الإنسان راضياً عن حصيلة سعيه، وعدد المرات التي يضطر فيها إلى تأجيل ما كان يراه حقّاً بسيطاً في الحياة.

وقد تختلط قراءة المزاج الأردني بقراءة ما يُقال عنه. فالأصوات الأعلى في مجالس الناس وعلى المنصات الرقمية تكشف جانباً من القلق، لكنها تعجز وحدها عن الإحاطة بما يجري في النفوس. وراء الشكوى أبٌ يحسب نفقات الشهر، وخريجةٌ تتطلع إلى أول عمل، وموظفٌ يشعر أنّ سنوات خبرته تستحق تقديراً، وشابٌّ يريد أن يجد لنفسه موضعاً في بلده. حين تُسمع هذه الأصوات في سياقاتها، يغدو القلق مفهوماً، وتصبح معالجته أقرب إلى حياة الناس.

يتأثر المزاج العام أيضاً بطريقة حديث المؤسسات إلى المواطنين وطريقة إنصاتها إليهم. قد يحتمل الإنسان ظرفاً قاسياً إذا عرف أسبابه، ورأى عدالةً في توزيع أعبائه، ولمس أثراً لما يُطلب منه من صبر. وتُثقله الوعود حين تتكرر من غير أثر، أو حين يضطر إلى المطالبة بحقه أكثر من مرة. للثقة إيقاعٌ يومي؛ تبنيها معاملةٌ تنجز في وقتها، وقرارٌ تُشرح أسبابه، وفرصةٌ تُمنح وفق الكفاءة، وخطأٌ يُعترف به ويُصحَّح.

ومن هنا يصعب وصف الأردنيين بمزاج واحد. ففي البيت الواحد قد يتفاءل جيلٌ بما أنجزه، وينظر جيلٌ أصغر إلى الأبواب التي ينتظر فتحها. وفي الشخص الواحد قد تجتمع محبة البلاد مع الغضب من شأنٍ من شؤونها. هذه المشاعر المتجاورة تقول شيئاً مهماً عن عمق الصلة بالمكان: يشتدّ العتب على ما يعزّ على صاحبه، وتعلو المطالبة حين يبقى الأمل في التحسن حاضراً.

يحتاج الصفو إلى أسبابٍ تُصان، ويحتاج العَكَر إلى أسبابٍ تُفهم وتُعالج. يستطيع الأردني أن يجد في الألفة ما يهوّن يومه، غير أنّ راحة البال تنمو حين يرى في عمله ثمرةً، وفي مؤسسات بلده إنصافاً، وفي مستقبل أبنائه مجالاً أوسع مما أتاحه له زمنه. عندئذ يصبح صفو المزاج العام تعبيراً عمّا تغيّر في حياة الناس، ويغدو التفاؤل معرفةً بما يمكن بلوغه، بعد أن بدأت شواهده تظهر في يومهم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :