السردية الأردنية ليس المطلوب أن نجمل التاريخ بل أن نمتلك الشجاعة لنقرأه
د. رندة نايف ابوحمور
30-09-2026 09:34 AM
في الأردن نحن لا نعيش فوق أرض عادية.
نحن نعيش فوق طبقات متراكمة من التاريخ، والحضارات، والقبائل، والمدن، والقرى، والبادية، والفلاحين، والجنود، والعلماء، والمعلمين، والأمهات، والآباء، والشهداء، والرواد، والموظفين، وأصحاب المهن، والمبدعين، وأجيال صنعت من القليل كثيرا، ومن الصعب ممكنا، ومن الجغرافيا القاسية وطنا له اسمه ومكانته وذاكرته.
ولهذا فإن الحديث عن السردية الأردنية ليس حديثا عن الماضي فقط.
إنه حديث عن سؤال أخطر:
من نحن؟ ومن أين جئنا؟ وماذا فعلنا؟ وماذا أخطأنا؟ وماذا أنجزنا؟ وماذا نريد أن نترك لأبنائنا؟
والأهم:
من يملك حق رواية حكاية الأردن؟
هنا تحديدا تبدأ المسألة.
فالسردية الوطنية ليست قصيدة نرددها في الاحتفالات، وليست صورا قديمة نضعها على وسائل التواصل الاجتماعي، وليست أسماء نكررها حتى تحفظها الأجيال.
السردية الحقيقية هي الذاكرة حين تتحول إلى وعي، والتاريخ حين يتحول إلى مسؤولية، والوطن حين يتحول من مكان نعيش فيه إلى قضية نعرفها ونحميها ونشارك في صناعة مستقبلها.
وقد بات مشروع توثيق السردية الأردنية حاضرا بقوة في المشهد الثقافي الوطني، من خلال برنامج "حوارات السردية الأردنية" الذي جاب محافظات المملكة، ومن خلال الدعوات إلى توثيق قصص الأردنيين وتراثهم وذاكرتهم وموروثهم الثقافي.
وهنا أقولها بصراحة: أخطر ما يمكن أن يحدث للسردية الأردنية أن تتحول من مشروع وطني واسع إلى خطاب احتفالي ضيق.
لأن الأردن أكبر من الاحتفال، وأعمق من الشعارات.
وأغنى من أن يختصر في رواية واحدة أو وجهة نظر واحدة أو منطقة واحدة أو طبقة اجتماعية واحدة.
الأردن ليس حكاية تكتب من الأعلى فقط
السردية الأردنية ليست فقط قصة الملوك والقادة والمؤسسات.
نعم، القيادة جزء أصيل من تاريخ الدولة، ومؤسساتها جزء من تكوينها، والمحطات السياسية الكبرى جزء من ذاكرتها.
لكن الأردن أيضا هو قصة ذلك الجندي الذي وقف على الحدود، وقصة المعلم الذي ذهب إلى قرية بعيدة ليعلم أبناءها، وقصة الفلاح الذي ظل متمسكا بأرضه رغم قسوة المواسم، وقصة المرأة الأردنية التي عملت وربت ودرست وشاركت وبنت، وقصة الشاب الذي تخرج من الجامعة ولم يجد فرصة عمل، لكنه لم يتخل عن وطنه، وقصة الطبيب والممرض والمهندس والعامل والحرفي والسائق والتاجر والباحث والموظف، وقصة الأم التي كانت تدخر من قوتها لتعليم أبنائها، وقصة الأب الذي بنى بيتا حجرا فوق حجر.
قصة القرية التي كانت المدرسة فيها غرفة واحدة، وقصة المدينة التي كانت تكبر ببطء، وقصة البادية التي حفظت قيم الضيافة والكرامة والانتماء، وقصة المخيم واللاجئ والمهجر الذي حمل ذاكرته معه، وعاش في الأردن، وأسهم في بناء مجتمعه، وظلت فلسطين في وجدانه.
هذه كلها ليست هوامش، هذه هي السردية.
ومن يختصر السردية في الكتب الرسمية فقط، أو في الرواية النخبوية فقط، أو في الأحداث الكبرى فقط، فإنه يفقد جزءا مهما من روح الأردن.
#لا_تخافوا_من_الأسئلة؟!
وهنا ربما أصل إلى الجزء الذي قد لا يعجب البعض.
لكنني أعتقد أن حب الوطن الحقيقي لا يعني أن نتوقف عن طرح الأسئلة.
بل العكس.
الوطن الواثق لا يخاف من السؤال.
والدولة التي تثق بتاريخها لا تخشى أن يقرأ أبناؤها هذا التاريخ بعين نقدية.
والهوية القوية لا تنهار أمام سؤال.
والسردية الناضجة لا تحتاج إلى إخفاء ما لا يعجبنا.
نحن بحاجة إلى أن نسأل:
لماذا نجحنا في بعض المراحل؟
ولماذا تعثرنا في مراحل أخرى؟
أين أخطأنا؟ أين أصبنا؟ من سبقنا؟ ومن قصر؟ ما الذي تعلمناه؟ وما الذي لم نتعلمه بعد؟
هذه ليست أسئلة ضد الوطن، هذه أسئلة من أجل الوطن.
فالفرق كبير بين من يسأل لأنه يريد الإصلاح، ومن يهاجم لأنه يريد الهدم.
وأنا أؤمن أن الأردن بحاجة إلى النوع الأول.
بحاجة إلى مواطن يقول:
أنا أحب هذا الوطن، ولذلك أريد أن أفهمه أكثر.
السردية ليست تلميعا
هناك فرق هائل بين الاعتزاز والتجميل.
نعتز بما أنجزناه، لكننا لا نحتاج إلى أن نزعم أننا لم نخطئ.
نعتز بتاريخنا، لكننا لا نحتاج إلى اختراع تاريخ جديد.
نعتز بقيادتنا، لكننا لا نحتاج إلى تحويل التاريخ إلى كلمات محفوظة بلا قراءة ولا تحليل.
نعتز بمؤسساتنا، لكننا لا نحتاج إلى إنكار جوانب القصور التي تحتاج إلى إصلاح.
فالوطن الذي لا يعترف بمشكلاته لن يستطيع علاجها، والمجتمع الذي يخاف من النقد يتحول النقد فيه إلى همس، والهمس يتحول إلى شائعة، والشائعة تتحول إلى رواية بديلة، وهنا نخسر السردية الحقيقية.
لذلك، فإن توثيق السردية الأردنية يجب أن يكون مشروع معرفة، لا مشروع مجاملة.
وهذه نقطة جوهرية.
من يكتب ذاكرة الأردني؟
السؤال الأكثر إلحاحا في وقتنا هذا ليس فقط:
ماذا حدث؟
بل:
كيف سيعرف الجيل القادم ما حدث؟
اليوم لم تعد الذاكرة محفوظة في الكتب وحدها.
الهاتف أصبح أرشيفا، والفيديو أصبح وثيقة، والصورة أصبحت شهادة، ومنشور وسائل التواصل الاجتماعي قد يعيش عشرات السنين.
#وهنا_الخطر.
لأن الذاكرة إذا لم توثق علميا، سيأتي آخرون ليعيدوا تشكيلها، وقد لا تكون الرواية الأكثر انتشارا هي الرواية الأكثر دقة، وقد لا يكون صاحب الصوت الأعلى هو صاحب الحقيقة، وقد تتحول المعلومة الناقصة إلى "حقيقة" مع مرور الوقت.
لذلك فإن مشروع السردية الأردنية يحتاج إلى أرشيف وطني رقمي حي، لا يكتفي بالوثائق الرسمية، بل يجمع الرواية الشفوية، والصور القديمة، والرسائل، والمذكرات، والتسجيلات، والوثائق العائلية، والحكايات الشعبية، وسير الشخصيات المحلية، وتاريخ القرى والمدن والأحياء.
وهذا الاتجاه ينسجم أصلا مع دعوة وزارة الثقافة المواطنين إلى المشاركة في منصة "قصص من الأردن" لتوثيق القصص والتجارب المرتبطة بتاريخ الأردن وتراثه وموروثه الثقافي.
لكنني أذهب أبعد من ذلك:
كل قرية أردنية يجب أن يكون لها أرشيف، كل مدينة، كل لواء، كل عائلة لها إسهام موثق، كل مدرسة قديمة، كل مهنة اندثرت، كل شخصية خدمت مجتمعها، كل صورة لها قصة، كل بيت قديم له ذاكرة، كل شهيد له حكاية، كل امرأة صنعت فرقا في مجتمعها تستحق أن تروى قصتها.
لأن الوطن لا يصنعه المشاهير وحدهم.
المرأة_الأردنية؟
إذا أردنا سردية أردنية كاملة، فعلينا أن نخرج من عادة كتابة التاريخ بأصوات الرجال فقط.
المرأة الأردنية ليست شخصية ثانوية في حكاية الوطن.
كانت حاضرة في البيت، وفي التعليم، وفي الصحة، وفي العمل، وفي الزراعة، وفي الإدارة، وفي القوات المسلحة، وفي العمل الاجتماعي، وفي السياسة، وفي الثقافة، وفي الاقتصاد.
لكن كم قصة لامرأة أردنية محفوظة فعلا؟
كم أما نعرف اسمها لأنها بنت جيلا كاملا؟
كم معلمة صنعت من عشرات الأطفال أطباء ومهندسين وقادة؟
كم امرأة وقفت بجانب أسرتها في أصعب الظروف؟
كم سيرة لنساء من القرى والبوادي والمخيمات والمدن لم تصل إلى كتب التاريخ؟
إذا لم تكتب هذه القصص، فستبقى السردية ناقصة، والتاريخ الناقص لا يصنع وعيا كاملا.
الشباب؟ لا تجعلوهم مجرد جمهور
أحيانا نتحدث عن الشباب وكأن دورهم أن يسمعوا السردية التي كتبها السابقون.
وأنا أرى أن هذا غير كاف.
الشاب الأردني ليس مجرد مستمع للتاريخ.
إنه أحد صانعي الفصل القادم منه، ولهذا لا يمكن أن نقدم له السردية في قالب جامد، ثم نطلب منه أن يحبها.
يجب أن نجعله يبحث، ويصور، ويحقق، ويقرأ، ويناقش، ويقارن، ويختلف، ويقدم رواية جده، ويبحث في تاريخ بلدته، ويحول وثائق العائلة القديمة إلى مادة رقمية، ويستخدم الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في الأرشفة والعرض، مع الالتزام بالتحقق العلمي ومصادر المعلومات.
وقد أكدت فعاليات السردية الأردنية خلال العام الحالي على إشراك الشباب في فهم الذاكرة الوطنية وصياغة المستقبل، وعلى استخدام التكنولوجيا الحديثة في تقديم السردية للأجيال الجديدة.
وهذا هو الطريق الصحيح.
نريد سردية لا تكذب على أبنائها
لن أقول إن علينا أن نكتب تاريخا مثاليا.
بل أقول:
اكتبوا الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.
لأن الحقيقة المؤلمة أفضل من الوهم الجميل.
إذا كان هناك نجاح، فليذكر، وإذا كان هناك إخفاق، فليدرس.
إذا كانت هناك تجربة نجحت، فلنعرف لماذا، وإذا كانت هناك تجربة فشلت، فلنعرف لماذا.
لا أحد يتعلم من تاريخ كله انتصارات، ولا أمة تنضج إذا كانت ذاكرتها خالية من الأخطاء.
الدول العظيمة ليست تلك التي لم تخطئ، بل تلك التي تعلمت من أخطائها واستمرت.
وهنا تكمن قوة السردية الأردنية التي نحتاجها.
من البتراء إلى مدرسة القرية، ومن الجندي إلى المعلم
الأردن يمتلك مادة سردية هائلة.
البتراء، جرش، أم قيس، مادبا، السلط، الكرك، عجلون، الطفيلة، معان، العقبة، المفرق، اربد، الرمثا، الزرقاء، عمان.
القرى والبوادي والمخيمات.
الطرق القديمة. الأسواق. المضافات. المواسم. الأغاني الشعبية. الأمثال. الأكلات. الحرف. الملابس. العمارة. الزراعة. المياه. الرحلات. الهجرات. التعليم. الجيش.العمل العام.
كل هذه ليست تفاصيل هامشية، إنها مفردات وطن كامل.
وقد وصفت وزارة الثقافة السردية الأردنية بأنها متصلة بالهوية الوطنية ومتنوعة وعميقة تاريخيا، وتمتد من الحضارات القديمة إلى علاقة الإنسان بالمكان
والقيم والتجربة الأردنية.
لكن علينا أن ننتقل من الكلام عن هذه الثروة إلى صناعة معرفة وطنية قابلة للتدريس والبحث والتوثيق والوصول إليها.
لا تجعلوا السردية مشروع سنة واحدة
هذه نقطة أراها شديدة الأهمية.
السردية الأردنية ليست موسما ثقافيا ينتهي بانتهاء الفعاليات، وليست عنوانا نضعه على مؤتمر، وليست حملة إعلامية، وليست معرضا، وليست كتابا واحدا.
إنها مشروع أجيال.
فحتى الآن ما زالت هناك آلاف القصص الأردنية التي لم تكتب، وآلاف الوثائق التي تحتاج إلى أرشفة، وآلاف الصور التي ستضيع مع وفاة أصحابها، وآلاف كبار السن الذين يحملون في ذاكرتهم تفاصيل لوطن تغير كثيرا خلال عقود قليلة.
وهنا أقول:
إذا لم نسألهم الآن، فقد نفقد الإجابة إلى الأبد.
السردية الأردنية ليست ضد أحد
وهذه أيضا يجب أن تكون واضحة.
حين نتحدث عن الهوية الأردنية، فنحن لا نتحدث عن إقصاء أحد.
السردية الوطنية الحقيقية قادرة على استيعاب تنوع المجتمع.
وقد أكدت وزارة الثقافة في سياق الحديث عن توثيق السردية أن الحديث عن تاريخ الإنسان والمكان في الأردن يتجاوز الاختلاف في العرق أو الدين، ويجسد عمق الهوية الوطنية.
الأردن وطن للجميع أبنائه.
وتنوعه الاجتماعي والثقافي ليس عيبا يجب إخفاؤه، بل جزء من حكايته.
والهوية القوية ليست جدارا يفصل الناس، إنها مساحة مشتركة تجمعهم.
لكن هناك معركة أخرى: معركة النسيان
أخشى أحيانا من شيء أكبر من التزييف، #أخشى_من_النسيان.
لأن ما لا نوثقه اليوم، قد لا نستطيع استعادته غدا.
جيل كامل عاش الأردن في مرحلة معينة ثم رحل، وبيوت أُغلقت، مهن اختفت، لهجات تراجعت، أغان لم تعد تغنى، حكايات لم تعد تروى، وثائق بقيت في أدراج البيوت، صور لا يعرف الأبناء أصحابها، وهذا كله جزء من الذاكرة الوطنية.
لذلك فإن معركة السردية الأردنية ليست فقط مع من يزور التاريخ.
إنها أيضا مع الزمن، والزمن لا ينتظر أحدا.
ماذا نريد من السردية الأردنية؟
نريدها أن تكون علمية، ونريدها أن تكون شعبية، نريدها أن تكون موثقة، ونريدها أن تكون إنسانية.
نريدها أن تعطي القيادة والمؤسسات حقها التاريخي، لكن لا تنسى الإنسان العادي.
نريدها أن تتحدث عن الإنجازات، لكن لا تخشى الأسئلة.
نريدها أن تحترم الوثيقة، لكن لا تهمل الذاكرة الشفوية.
نريدها أن تدخل الجامعات، والمدارس، والمكتبات، والمتاحف، والإعلام، والمنصات الرقمية،
نريدها أن تصل إلى الطفل الأردني بلغة يفهمها، وإلى الشاب بلغة تجذبه، وإلى الباحث بمصادرها،
وإلى العالم بصورة تليق بالأردن.
ونريد شيئا آخر أكثر جرأة
نريد أن نعيد تعريف "#الشخصية_الوطنية".
ليس فقط من تولى منصبا، وليس فقط من ظهر على شاشة، وليس فقط من كتب عنه الإعلام.
هناك أردنيون عاشوا وماتوا دون أضواء، لكنهم تركوا أثرا أعظم من كثير ممن امتلكوا المنابر.
هناك معلم، هناك جندي، هناك طبيب، هناك مزارع، هناك امرأة، هناك شيخ قرية، هناك حرفي،
هناك موظف أفنى عمره في مؤسسة، هناك باحث لم يحصل على الشهرة، هناك أم ربت عشرة أبناء،
هناك أب باع ما يملك ليعلم أبناءه.
هؤلاء أيضا صناع سردية، بل ربما هم أكثر الناس صدقا في رواية الأردن.
السردية التي نريدها لا تخاف من المستقبل
ليس كافيا أن نقول للشباب: "كان أجدادكم عظماء."
يجب أن نسأل: وماذا ستفعلون أنتم؟
لا نريد جيلا يعيش على أمجاد الماضي، نريد جيلا يضيف إليها.
السردية ليست مقبرة للماضي، إنها جسر للمستقبل.
ولهذا فإن نجاح مشروع السردية الأردنية يجب ألا يقاس بعدد الندوات فقط، بل بعدد الوثائق التي حفظت، والقصص التي وثقت، والكتب التي انجزت، والأبحاث
التي نشرت، والمواد التي دخلت المناهج، والأرشيفات التي فتحت للباحثين، والشباب الذين أصبحوا قادرين على قراءة تاريخ وطنهم بوعي.
رسالتي في هذه المناسبة
رسالتي ليست للمثقفين وحدهم، ولا للمؤسسات وحدها، ولا للباحثين وحدهم، رسالتي لكل أردني: فتش في بيتك، قد تجد صورة، رسالة، وثيقة، دفترا، شهادة، خريطة، صورة جدك بالزي العسكري، صورة والدتك في المدرسة، وثيقة أرض، صورة لعرس قديم، صورة لشارع لم يعد موجودا، حكاية سمعتها من جدتك، اسم رجل ساعد أهل بلدته، قصة امرأة قاومت ظروف الحياة.
لا تقل:
"هذه أشياء عادية."
ربما هي بالنسبة إليك عادية، لكنها بالنسبة لتاريخ الأردن وثيقة حياة.
وأخير الا نريد سردية ترضي الجميع
وهنا أختم بأكثر ما أريد قوله وبكل وضوح: السردية التي ترضي الجميع قد تكون سردية لم تقل شيئا.
نحن لا نحتاج إلى سردية ناعمة تخاف من السؤال، ولا إلى سردية صدامية تبحث عن الخصومة، ولا إلى سردية تمجد بلا دليل، ولا إلى سردية تنتقد بلا إنصاف.
نحتاج إلى سردية شجاعة، شجاعة في الاعتراف، شجاعة في التوثيق، شجاعة في النقد، شجاعة في الاعتزاز، وشجاعة أكبر في قول: هذا ما حدث.
ثم نسأل: ماذا تعلمنا؟
ثم ننتقل إلى السؤال الأهم: ماذا سنفعل نحن؟
فالأردن ليس مجرد ماض نفتخر به
الأردن مسؤولية حاضرة ومستقبل لم يكتب بعد
والسردية الأردنية التي تستحق أن تصل إلى أبنائنا ليست تلك التي تقول لهم فقط: "انظروا ماذا فعل آباؤكم"، بل التي تقول لهم أيضا: "أنتم الآن تكتبون الفصل القادم، فاكتبوه بما يليق بالأردن"، هذه في رأيي هي السردية التي تستحق أن نحميها.
السردية التي لا تخاف من الحقيقة، ولا تخاف من السؤال، ولا تخاف من النقد، ولا تخاف من الاختلاف.
لأنها ببساطة، سردية واثقة من نفسها.
وحين يكون الوطن واثقا من نفسه، لا يحتاج إلى تزوير تاريخه، ولا إلى إسكات أسئلته، ولا إلى اختصار ذاكرته في رواية واحدة، يكفي أن يقول لأبنائه: اقرؤوا، اسألوا، وثقوا، ناقشوا، واختلفوا إن شئتم، ولكن لا تنسوا أنكم أبناء وطن كتب تاريخه بعرق أجيال، وأن عليكم أن تكتبوا مستقبله بالعمل.
حفظ الله الأردن، أرضا وإنسانا وذاكرة ومستقبلا، وحفظ قيادته الهاشمية، وحمى هذا الوطن من كل ما يهدد أمنه واستقراره ووحدته.