« ماذا نقدم نحن المسلمين للبشرية اليوم؟ »
هذا سؤال قد يبدو قاسياً، ولكنه في الحقيقة سؤال محبة، لأن الأمم التي لا تراجع نفسها لا تستطيع أن تعرف إلى أين تمضي .
إذا سألَنا الناس عن العدل، قلنا : كان عمر بن الخطاب ؛ وإذا سألونا عن الإنفاق، قلنا : كان عثمان بن عفان ؛ وإذا سألونا عن الحكمة، قلنا : كان علي بن أبي طالب ؛ وكل ذلك حق، ولا ينقص من قدر هؤلاء الرجال شيء ؛ ولكن السؤال ليس : ماذا صنعوا هم؟ وإنما : ماذا نصنع نحن الآن ؟ أين إسلامنا اليوم؟ .
هل الإسلام كُتبٌ نقرأها؟ ، أم صحف نتصفحها؟ ، أم تاريخاً عظيماً نتحدث عنه كلما أردنا أن نثبت للآخرين أننا كنا ذات يوم أمة عظيمة؟ ..
لقد جاء الإسلام ليكون حياة ؛ جاء ليكون خُلقاً، وعلاقة، وضميراً، وعقلاً، وموقفاً من الإنسان ؛ جاء ليقدم للبشرية ما تعاقبت الرُسل على تقديمه : « الهداية »، لا باعتبارها كلمات تُحفظ، وإنما باعتبارها حياة تُرى.
نحن اليوم، مع الأسف، أمة في « وضع دوني» في نظر كثير من الأمم ؛ لا نصنع كثيراً مما نستهلك، ولا نملك زمام كثير من أدوات العصر، ويطعمنا غيرنا في أشياء، ويكسونا غيرنا في أشياء، ونستورد كثيراً مما تقوم عليه حياتنا الحديثة، ثم نقول في أنفسنا : ﴿ ولله العزة ولرسولهت وللمؤمنين ﴾ ، نرددها ونؤمن بها.
هنا نسأل أنفسنا : كيف نحمل عزة الدين التي نتحدث عنها؟
ليست العزة أن نرفع أصواتنا بها، وإنما أن يكون لنا وجود نافع في العالم ؛ أن ننتج، ونفكر، ونبني، ونضيف، ونكون جزءاً من صناعة المستقبل، لا مجرد مستهلكين لما يصنعه الآخرون.
لكن الحضارة ليست سيارة نصنعها، ولا هاتفاً نخترعه فحسب. هناك شيء آخر قد يكون أعمق من كل ذلك : ماذا نقدم للإنسان؟ ، أين مساهمتنا في قيم الإنسان، وفي محبة الإنسان، وفي صيانة كرامته؟ ..
هذا النبي الذي جاء فينا علّمنا أن الإنسان ليس رقماً في حسابات الأمم، ولا شيئاً يُهان حين تختلف معه ؛ وجاء في المأثور عن عمر بن الخطاب: « متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ ».
فإذا كنا أمة القيم، وأمة العزة، وأمة الكرامة، وأمة الخير، فأين أثر هذه القيم في العالم الذي نعيش فيه؟ .. لا بد إننا بحاجة إلى وقفة مراجعة .
ديننا ليس تاريخاً طُبّق وانتهى، وليس كتاباً نقرأه ثم نبسط الحياة من بعده فنجد أنفسنا خارجها ؛ الدين يقظة ضمير، ورفعة عقل، وعزة نفس، وكرامة إنسان .
لذلك فإننا لسنا مطالبين بأن نقول للناس فقط : « نحن مسلمون »، وإنما أن نقول لهم بأفعالنا : هذا هو موقف الإسلام من الإنسان .
لقد علّمنا القرآن أن التكذيب بالدين لا يظهر في إنكار الكلمات وحدها، وإنما يظهر في علاقتنا بالضعيف والمحتاج : ﴿ أرأيت الذي يكذب بالدين ، فذلك الذي يدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ﴾ ؛ وكأن الدين يريد أن يقول لنا : لا تحدثوني عن إيمانكم بعيداً عن الإنسان .
حين خرج النبي ﷺ من غار حراء، مضطرب الفؤاد، رجع إلى خديجة رضي الله عنها، فطمأنته، وذكّرته بما كان عليه من قبل : « إنك لتحمل الكَلَّ، وتُقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق » ؛ لنتأمل هذه العبارة : « تعين على نوائب الحق » ؛:كأن الإسلام منذ لحظته الأولى يقول للإنسان : إذا نزلت بالناس نوائبهم ، فلا تكن متفرجاً .
فمن يُقهر في هذا العالم ، ليس بعيداً عن مسؤوليتنا الإنسانية ؛ ومن يُظلم، ينبغي أن تعنينا مظلمته ؛ ومن يجوع، ينبغي أن يوقظ جوعه فينا شيئاً ؛ ومن يبحث عن كرامته، ينبغي ألا نكون ممن يزيدون انكساره.
هنا تتضح رسالة الإسلام المعاصرة.
ليست أن نعيد العالم إلى القرن الأول ، ولا أن نطلب من البشرية أن تعيش كما عاش أسلافنا، وإنما أن نقدم لها القيم التي جاء بها الإسلام في صورة قادرة على أن تعيش في القرن الحادي والعشرين : إنساناً لا يُستعبد، وعقلاً لا يُهان، وفقيراً لا يُنسى، ومظلوماً لا يُترك وحيداً، وقوةً لا تتحول إلى ظلم، وثروةً لا تفقد معناها الإنساني .
نحن لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الحديث عن أن الإسلام كان عظيماً؛ العالم يعرف أن للتاريخ الإسلامي صفحات مضيئة ، لكن الفكرة التي تطرق أبوابنا الآن شيء آخر : « ماذا يفعل الإسلام بنا نحن؟ » .
إذا كانت الرسالة قد وصلت إلى أسلافنا، فأصبحوا بها رجالاً صنعوا أثراً في زمانهم، فربما آن لنا أن نسأل أنفسنا في هدوء : « هل نحن الذين نحمل الرسالة، أم أننا أصبحنا نحمل فقط ذكراها؟ » ..
فبين الإسلام الذي نرويه، والإسلام الذي يراه الناس في حياتنا، مسافةٌ قد تكون هي بعيدة كلّ البعد ...