facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأمير الحسن بن طلال .. حين يكون الفكر رسالة والإنسان هو الغاية


د. منصور المطارنة
01-10-2026 11:16 AM

عمون - في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم فيه الأصوات والمواقف، تبقى بعض الشخصيات حاضرة بهدوئها وعمقها، لا تبحث عن الضوء بقدر ما تسعى إلى أن تضيء الطريق أمام الآخرين. ومن بين هذه الشخصيات يبرز صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال، بما يحمله من تجربة طويلة، ومشروع فكري وإنساني، وحضور عربي ودولي جعل من الحوار والمعرفة وكرامة الإنسان عناوين ثابتة في مسيرته.

من يتابع فكر الأمير الحسن يدرك أنه أمام شخصية لا تتعامل مع الفكر بوصفه ترفاً ثقافياً، وإنّما بوصفه مسؤولية. فالإنسان، في جانب أساسي من خطاب سموه، هو نقطة البداية والغاية؛ وكرامته وأمنه وتعليمه وفرصته في الحياة ليست ملفات منفصلة، وإنما أجزاء من رؤية متكاملة لمستقبل المجتمعات. ويضع الموقع الرسمي لسموه كرامة الإنسان، والمياه والطاقة والبيئة الإنسانية، والتعاون الإقليمي، والتضامن بين أتباع الأديان ضمن المحاور الرئيسة لفكره ونشاطه.

ولعل من أبرز ما يميّز مشروع الأمير الحسن قدرته على الجمع بين الجذور والانفتاح على العالم؛ بين الاعتزاز بالهوية العربية والإسلامية، وبين الإيمان العميق بالحوار مع الثقافات والأديان والحضارات الأخرى. وفي عالم تزداد فيه مساحات الاستقطاب وسوء الفهم، ظلّ سموّه يدعو إلى البحث عمّا يجمع البشر بدلاً مما يفرّقهم، وإلى التعامل مع التنوّع باعتباره حقيقة إنسانية يمكن أن تكون مصدراً للثراء والتعاون، لا سبباً للصراع.

هذه الرؤية لم تبقَ مجرد أفكار في الخطب والندوات؛ فقد ارتبط اسم الأمير الحسن عبر العقود بتأسيس ورعاية مؤسسات علمية وفكرية وحوارية عديدة، حيث أنشأ سموه المؤسسات التالية: الجمعية العلمية الملكية التي تأسست عام 1970، ومنتدى الفكر العربي عام 1981، ثم المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا عام 1987، والمعهد الملكي للدراسات الدينية عام 1994، وصولاً إلى معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا عام 2009. وبالطبع هذا يظهر خيط واضح يجمع هذه المبادرات: بناء المعرفة، ودعم الحوار، والتفكير بالمستقبل من خلال المؤسسات وليس من خلال الشعارات وحدها. كما أنشأ سموّه مؤسسة آل البيت عام 1980 والأكاديمية الإسلامية للعلوم، والمؤتمرات الدولية حول تاريخ وآثار الأردن، والهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية للإغاثة، ومركز تنمية الموارد البشرية، والمعهد الدبلوماسي الأردني وجامعة آل البيت.

ولا يمكن، بطبيعة الحال، أن تُحيط مقالة موجزة بكل ما قدّمه صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال من إسهامات فكرية وإنسانية ووطنية ودولية عبر مسيرته الحافلة. وقد حرصتُ في هذه المقالة على الابتعاد قدر الإمكان عن سرد السيرة الذاتية الغنيّة لسموّه، والتركيز بدلاً من ذلك على جانب من رؤيته الفكرية ورسائله الإنسانية والاستشرافية. أما من يرغب في التعرّف بصورة أوسع إلى مسيرة سموه، فإنه سيجد في موقعه الإلكتروني الرسمي سيرةً حافلة توثّق نشاطاته وعضوياته ولقاءاته ومقالاته ومبادراته ورؤاه المستقبلية، بما يعكس عمق تجربة مفكّر كبير ظلّ حاضرًا في قضايا وطنه ومنطقته والعالم (https://elhassanbintalal.jo/ar-jo/).

منتدى الفكر العربي... تحويل الفكرة إلى مؤسسة

ويشكّل منتدى الفكر العربي واحداً من أبرز الشواهد على هذه المسيرة. فالمنتدى، الذي تأسس عام 1981 ويتولى سمو الأمير الحسن رئاسته ورعايته، جاء ليكون مساحة يلتقي فيها المفكر بصانع القرار، وتناقش فيها قضايا المجتمع العربي بعيداً عن ضجيج اللحظة السياسية العابرة.

ووفقاً للمنتدى نفسه، يسعى إلى دراسة واقع العالم العربي، واستشراف مستقبله، والبحث عن حلول وخيارات عملية في قضايا التنمية والأمن والحوار والتقدم، وهنا تتجلى إحدى السمات المهمة في فكر الأمير الحسن: الاستشراف. فهو لا يكتفي بسؤال "ماذا حدث؟"، بل يذهب غالباً إلى السؤال الأهم: ماذا سيحدث إذا لم نفكر ونتحرك من الآن؟ ولهذا حضرت في خطابه منذ عقود قضايا أصبحت اليوم في مقدمة اهتمامات العالم، مثل الأمن المائي، والطاقة، والبيئة، والتنمية المستدامة، والأمن الإنساني، وحوار الأديان، والشباب، والعلاقة بين المعرفة وصناعة القرار.

وقد نشر منتدى الفكر العربي حديثاً المجلد الثاني من الأعمال الفكرية للأمير الحسن، الذي يجمع جانباً من نتاج سموه الفكري الممتد لنحو نصف قرن، ويتناول موضوعات من بينها الإسلام والسلام والديمقراطية ومستقبل الفكر العربي والنهضة والحوار الحضاري. وهذه الاستمرارية تكشف أن ما يقدمه الأمير الحسن ليس استجابة مؤقتة لأحداث بعينها، بل مشروع فكري تراكم عبر عشرات السنين.

أمير يعرف الناس قبل أن يعرف المناصب

لكن الحديث عن الأمير الحسن لا يكتمل بالحديث عن المؤسسات والمنتديات وحدها. فثمة جانب آخر يعرفه الأردنيون جيداً، ويتمثل في بساطة التواصل مع الناس وقربه منهم واهتمامه بتفاصيل المجتمع الأردني. في الذاكرة الأردنية، لا تبدو قيمة الشخصية العامة مرتبطة بالموقع الرسمي وحده، وإنما أيضاً بمدى معرفتها بالمجتمع الذي تنتمي إليه: مدنه وقراه وبواديه وعشائره وعائلاته وتاريخه وذاكرته الاجتماعية. وهذا جانب كثيراً ما يلفت الانتباه في لقاءات سمو الأمير الحسن؛ ثقافة واسعة تقابلها معرفة بالناس، وحديث في قضايا العالم لا يبعده عن تفاصيل المجتمع الأردني.

إن معرفة الناس والأصول والتاريخ الاجتماعي ليست مجرد معرفة بالأسماء والأنساب، وإنما هي شكل من أشكال قراءة المجتمع وفهم تركيبته وذاكرته. وربما لهذا يحتفظ كثير من الأردنيين بصورة قريبة للأمير الحسن؛ صورة لا تفصل المثقف عن مجتمعه، ولا تجعل الفكر حاجزاً بين صاحبه والناس.

لقد أتاحت لسموه تجربته الممتدة في الحياة العامة أن يلتقي أجيالاً متعددة من الأردنيين، وأن يكون شاهداً على مراحل أساسية من بناء الدولة والمجتمع.

ولذلك تمتزج في شخصيته ذاكرة المكان بخبرة الدولة وثقافة المفكر، وهي عناصر تفسر ذلك الحضور الخاص الذي بقي له في الوجدان الاجتماعي الأردني.
البعد العالمي.

وعلى المستوى الدولي، تحرّك الأمير الحسن لسنوات طويلة في فضاءات الحوار والفكر والعلاقات الدولية، مقدماً رؤية تنطلق من الأردن والمنطقة لكنها تتوجه إلى قضايا إنسانية أوسع. والمتابع لخطاب سموه يلاحظ تكرار مفهوم الكرامة الإنسانية بوصفه أساساً للأمن والتنمية.

فالأمن في هذه الرؤية لا يختزل في الحدود أو القوة العسكرية؛ إنه يرتبط كذلك بالتعليم والمياه والعمل والعدالة والبيئة واحترام الإنسان.

ويؤكد موقع سموه أن معالجة جذور الصراعات تتطلب النظر إلى هذه الأبعاد الإنسانية، لا الاقتصار على الحلول الأمنية التقليدية. وهذا التفكير يكتسب أهمية خاصة في منطقتنا التي عرفت خلال العقود الماضية صراعات وحروباً وأزمات لجوء وشحاً في الموارد. ولذلك جاءت دعوات الأمير الحسن المتكررة إلى التعاون الإقليمي انطلاقاً من حقيقة بسيطة وعميقة في الوقت ذاته: فالمياه والبيئة والطاقة واللاجئون والتنمية ليست قضايا تتوقف عند الحدود، لذا فإن كثيراً من تحديات المنطقة تحتاج الى تعاون يتجاوز ويتخطّى التفكير القطري الضيّق.

ثقافة السؤال لا ثقافة الادعاء

ومن أجمل ما يمكن التوقف عنده في شخصية الأمير الحسن أن الثقافة لديه لا تظهر باعتبارها استعراضاً للمعلومات، وإنما أداة لطرح الأسئلة.

فالإنسان واسع المعرفة، كلما اتّسعت تجربته، يدرك أن الأسئلة الكبيرة لا تملك دائماً إجابات سهلة. وربما هنا تكمن قيمة المفكر الحقيقي: ألا يمنح الناس شعارات جاهزة، بل يدفعهم إلى التفكير.

كيف نبني مجتمعاً يحفظ كرامة الإنسان؟ كيف نربط التنمية بالأخلاق؟ كيف نستثمر في الشباب قبل أن نطالبهم بصناعة المستقبل؟ كيف نحمي الهوية والسرديّة الوطنية دون أن نحولها إلى جدار يعزلنا عن العالم؟ وكيف نجعل الحوار بين الثقافات والأديان وسيلة للفهم لا مجرد مناسبة بروتوكولية؟

هذه الأسئلة وأمثالها هي التي تمنح المشروع الفكري معناه واستمراريته.

الحسن والشباب: الاستثمار في المستقبل

وللشباب حضور واضح في مسيرة سموه. فقد ارتبط اسمه بمبادرات شبابية تعود إلى عقود مضت، من بينها المنتدى الإنساني الذي تأسس عام 1982 وتطور لاحقاً إلى المنتدى العربي للشباب، وكذلك جائزة الحسن للشباب 1999، وبرنامج سابلة الحسن 1988.

وحتى اليوم ما يزال تمكين الشباب حاضراً في نشاط سموه؛ ففي سبتمبر 2026 أكد خلال لقاء مع مشاركين في برامج جائزة الحسن للشباب أهمية إعداد الشباب وتمكينهم للمشاركة في مجتمعاتهم ومستقبلهم.

والأهمية هنا ليست في إطلاق مبادرة شبابية فحسب، وإنما في الإيمان بأن بناء المستقبل يبدأ قبل سنوات طويلة من وصول الشباب إلى مواقع المسؤولية؛ يبدأ بمنحهم المعرفة والثقة والفرصة والإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع.

حين يلتقي إرث المكان بأفق العالم

الأمير الحسن بن طلال ابن الأردن والبيت الهاشمي، لكنه في مشروعه الفكري حمل هموماً تجاوزت الجغرافيا. وعندما يجتمع في شخصية واحدة الاهتمام بتاريخ المنطقة وثقافتها مع الحوار الدولي وقضايا المياه والطاقة والبيئة والسلام والكرامة الإنسانية، يصبح الحديث عنها حديثاً عن دور الفكر في الحياة العامة.

ربما نختلف في عالمنا العربي حول كثير من السياسات والرؤى، وهذا أمر طبيعي، لكن الحاجة إلى فضاءات التفكير والحوار تكاد تكون موضع اتفاق واسع.

وهنا تبرز قيمة المؤسسات والمبادرات الفكرية التي ساهم الأمير الحسن في إنشائها ورعايتها عبر العقود. إن المجتمعات لا تحتاج إلى السياسي والإداري والاقتصادي فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى من يسأل عن المعنى والإنسان والمستقبل؛ إلى من يذكّر بأن التنمية دون كرامة ناقصة، وأن المعرفة دون مسؤولية لا تكفي، وأن الحوار ليس علامة ضعف وإنما وسيلة لفهم الآخر وبناء مساحات مشتركة معه.

وأخيراُ،

حين نبحث عن الكلمة التي تختصر جانباً كبيراً من مسيرة الأمير الحسن، ربما نجدها في كلمة الإنسان. الإنسان قبل الأرقام، والكرامة قبل الحسابات، والحوار قبل القطيعة، والمعرفة قبل الأحكام، والمستقبل قبل الاكتفاء بإدارة أزمات الحاضر.

تلك ليست مجرد مفردات جميلة، بل عناوين تكررت في خطاب ومؤسسات ومبادرات امتدت على مدى عقود. لهذا، فإن الحديث عن الأمير الحسن بن طلال ليس استعادة لفصل من تاريخ الأردن فحسب، بل مناسبة للتفكير في حاجة مجتمعاتنا اليوم إلى المفكّر القريب من الناس، والسياسي الذي يصغي للمعرفة، والمثقف الذي يحمل قضايا وطنه إلى العالم ويعود من العالم بأفكار تخدم الإنسان في وطنه.

وفي الأردن، سيبقى للأمير الحسن ذلك الحضور الذي صنعته سنوات طويلة من العمل والمعرفة واللقاء بالناس؛ حضور الأمير الذي يتحدث في أكبر المحافل الدولية، ثم لا تفارقه ذاكرة المكان والناس والأصول؛ والمفكّر الذي يذهب بعيداً في أسئلة المستقبل، دون أن يبتعد عن وطنه.

حفظ الله سمو الأمير الحسن بن طلال، وأدام عليه الصحة والعافية والهناء ان شاء الله، ليواصل رسالته في خدمة الفكر والحوار والإنسان.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :