في يوم المعلم .. الدكتورة مريم اللوزي سيرة اختزلت التربية والوطن والعطاء
د. هاني العدوان
01-10-2026 04:06 PM
حين نذكر المعلم نذكر المنارة التي تهدي الإنسان وهو في أول الطريق، ونذكر العقل الذي يفتح أمامه أبواب المعرفة، والضمير الذي يغرس في داخله ميزان الصواب، والقدوة التي تمنحه معنى العمل والانضباط والمسؤولية.
المعلم حجر الأساس في بناء الإنسان، والإنسان محور بناء المجتمع، والمجتمع قاعدة تنهض فوقها الدولة والحضارة، من هنا تسمو مكانة المعلم صاحب رسالة تتجاوز حدود الصف والكتاب والامتحان، فهو شريك في صياغة العقول، وتشكيل الشخصية، وصناعة الوعي، وإعداد أجيال تحمل الوطن في فكرها ووجدانها وسلوكها.
الحضارات الكبرى ابتدأت بمعلم، والمدن التي خلد التاريخ أسماءها خرج أبناؤها من مدارس حملت مشعل العلم، والدول التي رسخت قوتها استثمرت في عقل الإنسان، لذلك يبقى أثر المعلم ممتدا عبر الزمن، فربما تغيب تفاصيل درس عن الذاكرة، بينما تبقى صورة المعلم الذي منح الثقة، وفتح طريقا، وآمن بقدرة تلميذه على الوصول.
وفي عيد المعلم تذهب التحية إلى كل معلم ومعلمة حملوا الأمانة، وتذهب معها تحية وفاء خاصة إلى فارسة من فرسان التربية والتعليم ، نشمية أردنية تركت في ميدان التربية اسما يعجز المنصب عن احتوائه.
إلى المرحومة بإذن الله الدكتورة مريم اللوزي أم محمد، تلك التي عرفتها عن قرب، وعشت معها تفاصيل إنسانية بقيت في الذاكرة دافئة حاضرة عميقة.
كانت مريم بالنسبة لي أختا عزيزة، وصحبتها من تلك الصحبة التي يأنس بها الوجدان والعقل معا، كنت أشعر براحة خاصة في حضرتها، وكنت أجد نفسي أبحث عن مجلسها، فأنا في بيتها أو هي في بيتي، حتى صار اللقاء بيننا جزءا من إيقاع الحياة اليومية.
امتلكت مريم كاريزما يسبق حضورها حديثها، وحديثها يأسرك حتى آخر كلمة.
جمعت بين الحكمة ورجاحة العقل والفكر النير والثقافة الواسعة والذاكرة الحية والقدرة على قراءة الناس والأحداث بعين تربوية إنسانية ثاقبة.
كانت نشمية أردنية زهت بها الجبيهة، وزهت بها التربية والتعليم، وزها بها الوطن.
وحين تولت إدارة مدرسة الجبيهة الثانوية للبنات صنعت حالة تربوية متكاملة جعلت المدرسة عنوانا للتميز.
بدأت معلمة في المدرسة ثم انتقلت إلى الإدارة حتى تسلمت إدارة الثانوية منذ عام ألفين، فاقترن اسمها بتطوير المدرسة ورفع مستواها الأكاديمي والإداري حتى صارت تجربتها نموذجا تربويا على مستوى المملكة.
نالت رتبة معلم خبير، وكانت أول أردنية تحظى بهذه الرتبة، ووثقت كثير من المصادر الصحفية مسيرتها.
مدرسة الجبيهة عند مريم تجاوزت كثيرا حدود ما كانت عليه، فأصبحت مشروعا تربويا متكاملا
آمنت بأن المدرسة تصنع بيئتها حين تتكامل فيها الإدارة والمعلم والطالبة والأسرة والمجتمع، لذلك مدت جسور العلاقة مع المجتمع المحلي وحولت المدرسة إلى مساحة يتشارك فيها الجميع مسؤولية النجاح.
وما زال أثرها باقيا، وسيظل اسمها حاضرا في ذاكرة الجبيهة وفي ذاكرة الأجيال، عبر مبادرة وجائزة الدكتورة مريم اللوزي للمتفوقات، التي أطلقتها أسرتها تكريما لروحها واستمرارا لنهجها في تحفيز الطالبات على التفوق والإبداع، فاستمرت الجائزة تكرم المتفوقات عاما بعد عام.
وهنا تبرز قيمة المعلم الحقيقي، حين يبقى أثره في المكان بعد رحيله، وتتحول أفكاره إلى عادة تربوية، ويتحول اسمه إلى حافز لطالبات يحملن العلم نحو المستقبل.
ومريم كانت في بيتها امتدادا لمريم المدرسة.
كانت أما حاضنة، ومربية فاضلة، وإنسانة تحمل في داخلها مساحة واسعة للناس.
عرفت بقربها من الجميع، بإصغائها للمحتاج، بفتح بابها للضعفاء والمساكين وأصحاب الحاجة، بإنفاقها من مالها الخاص بسخاء، ببحثها عن الأسرة المتعففة حتى تصل إليها.
كانت تحمل هذا الهم الإنساني معها في تفاصيل حياتها اليومية، فتصطحب زوجها الرجل الفاضل خميس اللوزي أبو عامر، ذلك الضابط الذي أفنى شبابه في ميادين الجيش العربي وخدم وطنه بعطاء وصبر وانتماء، في زيارات تفقدية للأسر المتعففة تحمل معها ما تستطيع من مؤونة ومساعدة، وتدخل بيوت الناس بقلب الأم وحياء الإنسان الكريم.
وفي سيرة أبي عامر وأسرته الكريمة مساحة من الصبر تستحق الوقوف.
انتقلت مريم اللوزي إلى رحمة الله في الثالث من حزيران عام ألفين واثنين وعشرين.
وبعد رحيلها، ابتليت الأسرة بفقد الابن الوحيد لمريم وخميس، محمد خميس اللوزي في الثاني من آذار عام ألفين وخمسة وعشرين إثر جلطة قلبية، فاجتمع على أبي عامر حزن الفقد مرتين، مرة برحيل شريكة العمر، ومرة برحيل فلذة الكبد، وبقي الصبر عنوانا لرجل عرف ميادين الخدمة العسكرية، ثم عرف أشد ميادين الحياة قسوة، ميدان فقد الأحبة.
الابتلاء في حياة الصالحين باب من أبواب الرحمة يختص الله به من يشاء من عباده، والصبر عند الفقد مقام عظيم يعرفه من ذاق مرارة الغياب وحمله بإيمان واحتساب.
ونعود إلى مريم، فقد اتسعت دائرة عطائها من المدرسة إلى الوطن.
رأت أن التشريع من أوسع الأبواب التي يستطيع الإنسان من خلالها خدمة الناس، فخاضت الانتخابات النيابية ووصلت إلى مجلس النواب السابع عشر حاملة معها تجربتها التربوية والاجتماعية وصوت الإنسان الذي عرفته في المدرسة والشارع والبيت والأسرة.
كان وصولها إلى البرلمان انعكاسا لمحبة الناس وثقتهم بشخصيتها وتجربتها، ثم أمضت أربع سنوات تحت القبة وشاركت في لجان التربية والتعليم والثقافة ولجنة النزاهة والشفافية وتقصي الحقائق ولجنة الاقتصاد والاستثمار وغيرها من أعمال المجلس، فامتد حضورها من التربية إلى التشريع والخدمة العامة
وحين دخلت مريم البرلمان حملت معها روح المعلمة.
كانت ترى قضايا الناس بعين قريبة وتتفاعل معها بوصفها جزءا من مسؤوليتها، وبقيت مواقفها النيابية حاضرة في ذاكرة من عرفها، خصوصا ذلك الموقف الذي وضعها في مواجهة الخطر بصورة مباشرة.
في عام ألفين وثلاثة عشر شهد مجلس النواب حادثة إطلاق نار خلال خلاف بين زميلين لها في المجلس، وكان أحدهما يحمل سلاحا ناريا، حين رأت مريم المشهد يتجه نحو الخطر تقدمت نحوه ورفعت السلاح عن مساره، فانحرفت الطلقات عن هدفها، وأسهم موقفها السريع في حقن الدم ومنع وقوع كارثة داخل المجلس.
ذلك الموقف وحده يكشف جانبا عميقا من شخصيتها.
الموقف هنا يختصر مريم كلها، امرأة تربوية تقف حين يستدعي الواجب الوقوف، وأم تعرف قيمة الحياة، وإنسانة ترى الدم أمانة في عنقها، ونشمية تتحرك بالفطرة الأردنية التي تجعل حماية الإنسان واجبا يسبق الحسابات كلها.
دخلت مريم إلى تلك اللحظة من باب التربية وخرجت منها إلى ذاكرة البرلمان من باب الشجاعة.
هكذا تتجمع أمامنا صورة مريم اللوزي، معلمة ومديرة ومربية وأكاديمية وأم وإنسانة ونائبة وامرأة تحمل هم الناس وتفتح بيتها للمحتاج وتضع علمها في خدمة الطالب وخبرتها في خدمة الوطن وشجاعتها في خدمة الإنسان.
حملت مسيرتها تكريمات رسمية وتربوية، من بينها وسام الكوكب الملكي من الدرجة الأولى وجائزة الملكة رانيا ووسام وزارة التربية للتميز إلى جانب جوائز وتكريمات أخرى موثقة في مسيرتها المهنية والتربوية.
لكنني وأنا أكتب عن مريم في عيد المعلم أشعر أن كل الأوسمة تبقى أقل من وسام المحبة الذي حمله الناس لها.
الإنسان يحصل على منصب وينتهي المنصب، ويحصل على جائزة وتنتهي مراسم التكريم، ويصل إلى البرلمان وتنتهي الدورة النيابية، أما المحبة الصادقة فتبقى في ذاكرة الناس.
ومريم بقيت.
بقيت في طالباتها وفي مدرسة الجبيهة وفي الأسر التي طرقت أبوابها وفي زملائها وفي كل من جلس معها فخرج من حديثها بفكرة أو حكمة أو ابتسامة أو موقف.
وبقيت عندي أنا أيضا.
بقيت تلك الأخت التي كنت أجد في حضرتها راحة خاصة، والتي كان الأسبوع يبدو ناقصا حين يمضي من دون جلسة معها، والتي كانت قادرة على تحويل الحديث العادي إلى مساحة من الفكر والضحك والحكمة والذكريات.
واليوم عطاء مريم مستمر، زوجها أبو عامر وبناتها ما زالوا على دربها حفظا لمسيرتها الإنسانية المعطاءة، استمر عطاء مريم من خلالهم متدفقا حيا، مسيرة خير متواصلة.
ما زالوا يتفقدون الأسر التي كانت تصلها مريم، يطرقون أبوابها، يمدون يد المساعدة لكل محتاج، يواصلون رسالتها الإنسانية العظيمة بذات الروح التي عرفت بها.
اليوم مدارس عديدة يحظى طلابها المعوزون بدعم من زوجها وبناتها، دعم يمكنهم من مواصلة مسيرتهم التعليمية، ويمنحهم فرصة للثبات في مقاعد الدراسة، ويحفظ كرامتهم ويصون طموحهم.
واليوم مدارس تحتفل بذكرى مريم التربوية، مربية الأجيال، تكرم اسمها، وتستحضر سيرتها، وتقدمها للطالبات بوصفها ملهمة صنعت من الإدارة تربية ومن التربية رسالة ومن الرسالة حياة.
وهكذا يبقى اسم مريم حاضرا، يورث العطاء عطاء، ويورث الموقف قدوة، ويورث المحبة وفاء.
رحم الله مريم اللوزي أم محمد.
رحم الله المعلمة التي جعلت من المدرسة رسالة ومن الإدارة تربية وخدمة زموقفا وشجاعة رحم الله من جعلت من حياتها كلها مساحة للعطاء.
وفي عيد المعلم أرفع لها تحية تليق بذكراها، وأرفع التحية لكل معلم أردني حمل القلم كما يحمل الجندي سلاحه وحمل أمانة الجيل كما يحمل أبناء الوطن راية الأردن.
المعلم الذي يزرع العقل يزرع ثبات الدولة، والمعلم الذي يصنع الإنسان يصنع مستقبل الوطن، ومريم اللوزي كانت واحدة من أولئك الذين تركوا في الإنسان أثرا وفي المدرسة أثرا وفي الوطن أثرا.
رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته، وجزى أبا عامر خميس اللوزي عن صبره وعطائه خير الجزاء، ورحم ابنهما محمد وجمعهم الله في رحمته ورضوانه.
كل عام ومعلمو الأردن بخير، وكل عام وذاكرة المعلم الأردني محفوظة في وجدان الوطن.
*كاتب وباحث وإعلامي