facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين أطلَّ الأردن من نافذة القصيدة


د. جاسر خلف محاسنه
01-10-2026 07:47 PM

يا حيدر...
​كان المساء يمضي مثل أمسيات كثيرة، حتى ردد أحد الأصدقاء، على سبيل الاستدعاء العابر، مطلعًا من قصيدتك القديمة: "عفا الصفا، وانتفى، يا مصطفى... "، ثم سكت... وأنا أيضًا سكتُّ.

​لكن شيئًا في داخلي ظل مستيقظًا. فالأبيات الاستثنائية لا تعود حين نستدعيها، بل هي التي تعود إلينا؛ تأتي من مكان بعيد في الذاكرة، تحمل معها رائحة زمنها، وأصواته، ووجوه رجاله، والقلق الذي كان ينام تحت الكلام.

​وفجأة، كان البيت نافذةً في جدار الزمن، ومن تلك النافذة رأيت الأردن كما كان، وكما صار، وكما ما زال يريد أن يكون... ومن هنا بدأت أكتب لك.

​ثمة قصائد تُكتب بالحبر، وقصائد تخرج من شقوق الزمن. الأولى تمر في الذاكرة كخبر قديم، والثانية تستقر فيها كحجر عثر عليه أحدهم في طريق طويل، ثم ظل يتساءل: من أي جبل جاء؟

​وحين كتبت قصيدتك، كنت تعرف أن الشاعر حين يقترب من وجع بلاده يمشي فوق أرض أرق من الورق؛ فالكلمة قد تفتح بابًا في الذاكرة، والصورة قد تستدعي مدينة، ورائحة تراب، ووجه رجل عاد من عمله مثقلًا بما حمل النهار. لهذا بقيت القصيدة أكبر من لحظتها، وأوسع من أسماء الذين مروا في ظلها.

​وأنا أقرأها اليوم من زاوية أخرى: رسالة شاعر إلى وطنه، أكثر منها خصومة مع حكومة. فالوزارات تعبر، والوجوه تصبح أرشيفًا، أما الأردن فيبقى.

​أنا ابن بلد تعلّمت فيه أن محبة الأردن أوسع من محبة الأشخاص، وأن الوفاء للعرش الهاشمي عند الأردنيين حكاية ممتدة في الذاكرة والوجدان قبل أن تكون موقفًا في السياسة.

​هذا البلد قام بين قسوة الجغرافيا وكرامة الإنسان؛ حمل الهاشميون رايته في أزمنة شديدة القسوة، وظلت الدولة، بهويتها ومؤسساتها ورايتها، بيتًا واسعًا لأجيال تعاقبت عليه وهي تحمل لكل جيل نصيبه من الأمل والتعب... ولهذا يأتي عتاب الأردني على دولته من داخل المحبة؛ فالبيت الذي نحبه يستحق أن تكون نوافذه واسعة، وأبوابه عادلة، وسقفه آمنًا لكل من يسكن تحته.

​يا حيدر...

​أجمل ما في تجربتك أنك جعلت الشعر شاهدًا على زمنه، فيما بقي الوطن خارج قفص الخصومة. فالسلطة شيء، والدولة شيء آخر. والمسؤول عابر، والمؤسسة باقية. والقرار قد يتغير، أما أثره في حياة الناس فقد يطول. وحين تختلط هذه المعاني، يدفع الوطن ثمنًا لم يصنعه.

​الأردن أكبر من ذلك كله؛ هو ذاكرة ناس حملوا الحجارة لبناء المدارس، وجنود وقفوا على الحدود، ومعلمون صنعوا من الطباشير مستقبل قرى، وفلاحون انتظروا المطر، وأمهات خبأن في أكفهن مصروف الأسبوع كي يبقى البيت قائمًا. وهو دولة عاشت في إقليم كثير العواصف، وحفظت هويتها، وظلت رايتها ومؤسساتها حاضرة في هذا الشرق المضطرب.

​لذلك، حين نتحدث عن الإصلاح، فنحن نتحدث عن ترميم البيت وهو مأهول بأهله؛ عن جدار يحتاج إلى يد تعرف كيف تصلحه قبل أن يكبر الشرخ. فهناك شاب ينتظر فرصة، وموظف يريد أن يرى ثمرة اجتهاده، وأستاذ يريد أن يشعر أن علمه جزء من مشروع الدولة، ومواطن يريد إدارة تحفظ كرامته قبل أن تطلب أوراقه.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الدول الكبيرة.

​كنت يومًا تقف أمام عرار، تستدعي شاعرًا غاب جسده وبقي صوته. وربما هذا أحد أسرار الشعر: أن الغائب يستطيع، بعد عقود، أن يجلس إلى جانبنا ويصغي إلى أسئلتنا كأنه كان يعرفها منذ البداية.

​ولو وقف عرار بيننا اليوم، فربما لم يسأل عن أسماء الوزراء، بل سأل عن الأردن؛ عن عمّان التي اتسعت حتى صارت ذاكرة ومشهدًا، وعن إربد التي ما زالت تحمل في تربتها رائحة القمح، وعن معان والكرك والبادية، وعن ذلك الأردني الذي قد يعاتب مسؤولًا، ثم حين يسمع اسم الأردن في مكان بعيد يرفع رأسَه باعتزاز.

​ذلك هو الأردن الذي أعرفه، وهذا هو الولاء الذي أفهمه: ولاء للدولة، وحرص عليها، ومحبة للهاشميين الذين ارتبط اسمهم بتاريخها ووجدانها، ووفاء لأرض بذل ابنائها من أعمارهم الكثير حتى بقيت واقفة. فالأردني يستطيع أن يعاتب وهو محب، ويختلف وهو وفيّ، ويطالب بالإصلاح وهو يحرس المعنى الأكبر: الدولة.

​لقد كبرنا منذ نشيد الصعاليك. تغيرت أسماء، وتعاقبت حكومات، وتبدلت خرائط، وتغيرت اللغة التي نتحدث بها عن المستقبل، أما الأردن فظل واقفًا... وهذه وحدها قصيدة طويلة، كتبتها أجيال من الأردنيين بأيديها، وحرسها الجيش، وبنتها المدارس، وصانتها المؤسسات، وظل الهاشميون عنوانًا حاضرًا في وجدان هذا البلد.

​ولعل مهمتنا اليوم أن نكتب الفصل التالي بطريقة تليق بكل ما سبق. فالكاتب الحقيقي لا يكتفي بأن يرى الشق في الجدار، بل يبحث عن الضوء الذي يستطيع أن يعبر منه.

​وأنا ما زلت أرى الضوء؛ أراه في الأردن، وفي أهله، وفي شبابه الذين ينظرون إلى الغد بعينين متعبتين وأمل عنيد، وفي أم تضع الخبز على المائدة قبل أن تجلس، وفي جندي يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه، وفي معلم يدخل صفه كل صباح كأنه يدخل إلى مستقبل البلاد. أراه في تلك الراية التي بقيت مرفوعة فوق هذا البلد حتى حين تبدلت الفصول.

​لذلك تبقى المسألة، في آخر الأمر، أبسط وأعمق من كل القصائد: أن نحفظ الأردن للأردنيين وطنًا يليق بمحبتهم؛ أردنًا قويًا بمؤسساته، عادلًا في ميزانه، رحيمًا بأبنائه، صلبًا في قراره، عزيزًا برايته، واثقًا بمستقبله. وأن يبقى الوفاء للهاشميين جزءًا من وفائنا للتاريخ الذي تشكلت تحته دولتنا، فيما يبقى النقد الصادق وجهًا آخر من وجوه الحرص عليها.

​يا حيدر،

​ربما كانت قصيدتك القديمة تسأل عن الذين أوجعوا الوطن، أما سؤالنا اليوم فأوسع: كيف نترك الوطن أصلب مما وجدناه؟ كيف نجعل المؤسسة أكبر من صاحبها، والكفاءة طريقًا طبيعيًا، والعدالة عادة، والخدمة العامة شرفًا، والموقع مسؤولية، والمواطن شريكًا كاملًا في الحكاية؟

​تلك، في ظني، القصيدة التي تستحق أن تُكتب الآن. أما قصيدتك، فقد أدت شهادتها... وأما الأردن، فما زال يكتب.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :