facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




اغتيال النص


أ.د سلطان المعاني
01-10-2026 08:43 PM

يحملُ النصُّ شيئاً من روح صاحبه، ومن عمره الذي أنفقه في اختيار كلمةٍ، ومراجعة معنى، واحتمال فكرةٍ حتى تستوي في عبارتها. تمتدُّ اليدُ إلى هذه الصلة عندما تحذفُ مقطعاً، أو تبدّلُ لفظاً، أو تنقلُ جملةً من موضعها؛ فقد يتغيّر موقفُ الكاتب بتغيير كلمة، وقد تُنسب إليه قناعةٌ صاغتها يدُ سواه، ويبقى اسمُه فوق كلامٍ بات غريباً عنه.

تنبعُ حرمةُ النص من هذه الصلة بين القول وقائله. يختارُ الكاتبُ موقعَه في المسألة التي يناقشها، ويقدّرُ المسافةَ بين صراحته وتحفّظه، وبين غضبه وهدوئه، وبين ما يصرّح به وما يتركه للتأويل. تدخلُ هذه التقديرات في بناء الفقرة وفي ترتيب حججها. قد تحملُ جملةٌ قصيرة مفتاحَ المقال كله، وقد تحفظُ كلمةٌ دقيقة توازنَه الفكري، وقد يفتحُ استدراكٌ صغير مساحةً للإنصاف. يمسُّ التغييرُ هذه العلاقات، فتتحركُ دلالةُ الكلام، ويتبدلُ الموقفُ الذي سيصل إلى القارئ.

يتعاملُ بعضُ القائمين على النشر مع النص باعتباره مادةً قابلةً للقصّ والتركيب وفق مساحة الصفحة أو سياسة المنبر أو ذائقة المحرّر. تمنحُهم مهمتُهم فرصةَ القراءة والتقويم والاقتراح، وتحمّلُهم أمانةَ الوساطة بين الكاتب والجمهور. يبدأُ الخلل عندما تتسعُ هذه المهمة لتشمل تقريرَ ما ينبغي أن يقوله المؤلف، واستبدالَ عبارته بعبارةٍ ترضي تصوراً خارجياً عن الكتابة. عندئذٍ يُنتزعُ القرارُ من صاحبه، ويُتركُ له الاسمُ والتبعة، فيما تستقرُّ سلطةُ المعنى في يدٍ أخرى.

يحضرُ اغتيالُ النص في صورٍ متعددة؛ حذفُ مقطعٍ يكشفُ سببَ الاعتراض، واقتطاعُ خاتمةٍ تضبطُ معنى النقد، وتغييرُ عنوانٍ يوجّهُ القراءة، وإضافةُ عبارةٍ تُحمّلُ الكاتبَ حكماً أوسعَ من قصده. قد تبدو هذه الأفعال صغيرةً في عين من يجريها، بينما يمتدُّ أثرُها إلى الموقف كله. تتحولُ ملاحظةٌ محددة إلى إدانةٍ عامة، ويتحولُ تحليلٌ متأنٍّ إلى تصريحٍ حاد، وتضيعُ الحدودُ التي وضعها الكاتبُ بين وصف الظاهرة والحكم على أصحابها، فتصلُ إلى القرّاء شخصيةٌ فكريةٌ أعاد المحرّرُ تشكيلَها.

تكتسبُ المسألةُ ثقلاً إضافياً عندما يتصلُ النص بالشأن العام، أو بأسماء أشخاصٍ ومؤسسات، أو بقضايا تستدعي الدقةَ في نسبة الأقوال. يحملُ الكاتبُ أمام جمهورِه مسؤوليةَ العدل في العبارة، ويتحملُ أثرَها في علاقاته ومكانته وثقة الناس به. يستطيعُ حذفُ قيدٍ واحد أن يوسّع دائرةَ الاتهام، ويستطيعُ تبديلُ فعلٍ أن يحوّل احتمالاً إلى يقين. هنا تتجاوزُ أمانةُ التحرير تحسينَ الأسلوب إلى صيانةِ النسبة؛ أي حفظِ العلاقة الصحيحة بين الإنسان والكلام المنشور باسمه.

يستحقُّ المحرّرُ الجيد تقديراً يوازي دقةَ عمله؛ فهو قارئٌ يقظ، يلتقطُ اضطرابَ التركيب، وينبّهُ إلى التكرار، ويقترحُ ترتيباً أوضح، ويكشفُ ثغرةً في الحجة. تتجلى مهارتُه في فهم صوت الكاتب ومساعدته على بلوغ عبارته الأجود. ينشأُ بينهما حوارٌ تتقدمُ فيه الفكرةُ عبر المراجعة، وتستقيمُ فيه اللغةُ عبر الاقتراح. يكتملُ هذا العمل بعرض الصيغة المعدلة على المؤلف، ليقرأَ نصّه كما سيقرؤه الناس، ويقرَّ ما صار إليه، أو يعيدَ النظر في بعضه.

تمتدُّ الأمانةُ كذلك إلى النص الأدبي، حيث تعملُ النبرةُ والإيقاعُ والصورةُ في صنع المعنى. قد يكونُ التكرارُ مقصوداً لتجسيد قلقٍ أو إلحاح، وقد يحملُ طولُ الجملة حركةَ التفكير، وقد تتعمدُ العبارةُ خشونةً تناسبُ التجربة. يحتاجُ تحريرُ هذه الكتابة إلى إصغاءٍ لطبيعتها، وإلى معرفةٍ بأن جمالَها يتصلُ بخيارات صاحبها. يضعُ المحرّرُ ملاحظتَه أمام الكاتب، ويتركُ له تقديرَ أثرها في النسيج الذي بناه، فتنمو المراجعةُ داخل التجربة، ويظلُّ القرارُ جزءاً من مسؤولية التأليف.

يحملُ الاسمُ المنشور فوق المقال وعداً للقارئ بأن صاحبَه اختار هذا الكلام وأجازَ خروجَه إلى العلن. تستقيمُ الثقةُ حين يصدقُ هذا الوعد، وتتصدعُ حين يُستخدمُ الاسمُ لتغطية صياغةٍ أقرّها سواه. يملكُ المنبرُ حقَّ تحديد ما ينشره وفق سياسته المعلنة، ويملكُ الكاتبُ حقَّ تقرير ما يقبلُ نشرَه باسمه. تلتقي هاتان المسؤوليتان في اتفاقٍ يحفظُ حريةَ الاختيار ووضوحَ النسبة، ويجعلُ النشرَ ثمرةَ قبولٍ واعٍ من الطرفين.

يصونُ احترامُ النص كرامةَ صاحبه وحقَّ القارئ معاً. يطلبُ القارئُ كلاماً يعرفُ مصدرَه، ويطلبُ الكاتبُ أن تبلغَ فكرتُه الناسَ على الوجه الذي ارتضاه. بينهما يقفُ المحرّرُ مؤتمناً على العبور، وتُقاسُ مهنيتُه بقدرته على حفظ هذه الصلة. يظلُّ الاستئذانُ في التغيير اعترافاً بأن للكلمة صاحباً، وللاسم مسؤوليةً، وللنشر عهداً. يبدأُ الوفاءُ بهذا العهد من سؤال الكاتب عن تعديلات نصّه، وينتهي بخروج كلامٍ يستطيعُ أن يقول عنه، بثقةٍ وطمأنينة: هذا نصّي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :