الأردن في مؤشر الأداء اللوجستي الجديد .. أرقام إيجابية تستحق البناء عليها
د. هيثم الحسنات
01-10-2026 08:48 PM
يشهد مؤشر الأداء اللوجستي الصادر عن البنك الدولي تحولاً مهماً في طريقة قياس كفاءة الدول لوجستياً. فمع LPI 2.0 لم تعد الصورة تختزل في ترتيب عالمي واحد، بل أصبحت منظومة من المؤشرات التشغيلية التي تقيس الأداء الفعلي في الموانئ والشحن البحري والجوي والبريد وسلاسل الإمداد.
وهذا التحول يخدم الأردن؛ لأنه يسمح بالنظر إلى تفاصيل الأداء، وليس إلى رقم إجمالي قد يخفي خلفه نقاط قوة حقيقية.
وعند قراءة بيانات الأردن لعام 2024، وباستخدام الوسيط للمؤشرات الزمنية، تظهر مجموعة من النتائج الإيجابية التي تستحق التوقف عندها.
أبرز هذه النتائج يتعلق بـ زمن دوران السفن في الموانئ؛ إذ بلغ في الأردن نحو 0.6 يوم فقط، ما وضع المملكة في المرتبة 21 من أصل 166 دولة واقتصاداً تتوافر لها البيانات ، أي أن الأردن يقع تقريباً ضمن أفضل 13% عالمياً في هذا المؤشر.
إقليمياً، تعزز النتيجة الصورة ذاتها؛ إذ جاء الأردن في المرتبة الثالثة من بين 12 دولة في زمن دوران السفن.
وهذه نتيجة مهمة للغاية؛ لأن سرعة دوران السفينة تعكس جانباً أساسياً من كفاءة العمليات المينائية، كما أن تقليل الوقت الذي تمضيه السفن في الميناء يرفع كفاءة استخدام الأصول ويساعد في تعزيز جاذبية الميناء للخطوط الملاحية.
والنتيجة الإيجابية الثانية تظهر في زمن مكوث حاويات التصدير، حيث سجل الأردن وسيطاً يبلغ نحو 4.7 أيام، ليحل في المرتبة 56 من أصل 155 دولة واقتصاداً عالمياً. أما إقليمياً، فالصورة أكثر تميزاً؛ إذ جاء الأردن في المرتبة الثانية من بين 11 دولة تتوافر لها البيانات في هذا المؤشر.
وبذلك تظهر البيانات أن العمليات المرتبطة بالموانئ، ولا سيما جانب التصدير ودوران السفن، تمثل إحدى أبرز نقاط القوة اللوجستية للأردن.
من هذا المنظور، فإن الأداء الإيجابي المسجل في زمن دوران السفن عالمياً وزمن مكوث حاويات التصدير إقليمياً في ميناء العقبة لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مؤشرات رقمية متقدمة ضمن قواعد البيانات والتقارير الدولية، بل باعتباره ميزة تنافسية وأصلاً اقتصادياً ولوجستياً يمكن البناء عليه في تعزيز مكانة الأردن وتسويقه كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية وحركة التجارة وسلاسل الإمداد.
المطلوب هنا ليس الاكتفاء بالمحافظة على الرقم، وإنما تحويله إلى هدف مؤسسي:
ألا نتراجع عن هذا المستوى، وأن نعمل تدريجياً على تحسين المؤشرات المحيطة به.
فالمنظومة اللوجستية تشبه سلسلة؛ وكفاءة حلقة واحدة لا تكفي إذا بقيت حلقات أخرى بطيئة. والبنك الدولي نفسه يشدد في عرضه للإطار الجديد على أن أداء سلاسل الإمداد يتأثر بحلقاتها الأضعف، وأن التحسين المستدام يحتاج إلى العمل على البنية التحتية، وتيسير التجارة، والخدمات اللوجستية معاً.
هذه النتائج تقودنا إلى استنتاج مهم: الأردن لا يبدأ من الصفر عند الحديث عن تطوير منظومته اللوجستية.
لدينا ميناء يحقق مؤشرات تشغيلية جيدة، ولدينا قدرات اتصال بحري وجوي وبريدي قائمة، وموقع جغرافي يتوسط مجموعة من الأسواق الإقليمية المهمة. وبالتالي فإن التحدي الحقيقي ليس إنشاء منظومة جديدة بالكامل، وإنما البناء على ما تحقق ونقل مستوى الكفاءة إلى جميع حلقات سلسلة الإمداد.
وهنا تكمن أهمية LPI 2.0. فالمؤشر الجديد لا ينبغي التعامل معه باعتباره مسابقة لترتيب الدول، بل كأداة تساعدنا في معرفة ما ننجح فيه والمحافظة عليه، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تدخل وتحسين.
فالمرتبة 21 عالمياً في زمن دوران السفن مثلاً يجب ألا تكون مجرد رقم نذكره، وإنما خط أساس نحافظ عليه ونسعى إلى تحسينه. وكذلك المرتبة الثانية إقليمياً في زمن مكوث حاويات التصدير يمكن أن تتحول إلى عنصر مهم في تعزيز تنافسية الصادرات الأردنية وتسويق العقبة كبوابة لوجستية فعالة.
المطلوب في المرحلة المقبلة هو تحويل هذه المؤشرات إلى خطة تحسين وطنية مستمرة؛ بحيث يكون لكل مؤشر قيمة حالية، وهدف محدد، وجهة مسؤولة، وإجراءات قابلة للقياس والمتابعة.
وفي النهاية، فإن أهم ما تقوله بيانات LPI 2.0 هو أن الأردن يمتلك بالفعل نقاط قوة لوجستية ملموسة، وبعضها متقدم إقليمياً وعالمياً.
والفرصة أمامنا اليوم هي أن نبني على هذه النجاحات، ونربط كفاءة الميناء ببقية سلسلة النقل والتجارة، بحيث تتحول الميزة الجغرافية للأردن، مقرونة بالكفاءة التشغيلية، إلى ميزة تنافسية حقيقية للاقتصاد الوطني.