نوفمبر الحسم… حرب المضائق وكامب ديفيد مرة أخرى
صالح الشرّاب العبادي
03-10-2026 12:59 PM
لم تعد الحرب الأمريكية–الإيرانية مجرد مواجهة حول البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، بل تتسع تدريجياً لتصبح صراعاً على الجغرافيا الاستراتيجية وممرات الطاقة وخطوط الملاحة ومراكز الثقل في الإقليم ، فمن مضيق هرمز في الخليج إلى باب المندب في البحر الأحمر، تتداخل الجبهات وتتقاطع المصالح، فيما تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية وإيران والحوثيون ضمن مسرح عمليات إقليمي واحد، وتبقى الدبلوماسية مفتوحة، ولكن تحت ظلال الحشد العسكري والاستعداد العملياتي.
ومن هنا تبرز أهمية نوفمبر، وتحديداً انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر، باعتبارها نقطة زمنية ضاغطة على القرار الأمريكي ، لا يوجد إعلان رسمي بأن الثالث من نوفمبر يمثل موعداً نهائياً للمفاوضات، لكن تصريحات الرئيس دونالد ترامب، إلى جانب التحركات العسكرية الأمريكية والاجتماعات الأمنية الأخيرة، تجعل الفترة السابقة للانتخابات نافذة مهمة لمحاولة إنتاج تفاهم مع طهران. وقد قال ترامب إن الحرب قد تنتهي قريباً جداً وربما بعد انتخابات التجديد النصفي، في وقت لا تزال فيه الاتصالات غير المباشرة قائمة عبر الوسطاء.
العقدة التفاوضية لم تعد محصورة في مبدأ الاتفاق، وإنما أصبحت في ترتيب الالتزامات وتزامنها ، فثمة ثلاثة ملفات مترابطة: حرية الملاحة في مضيق هرمز، العقوبات والضغط الاقتصادي، والملف النووي وباب المندب ، والسؤال العملياتي والسياسي هنا هو: من يقدم الخطوة الأولى؟ هل تفتح إيران المضيق قبل رفع جزء من الضغط الأمريكي، أم يكون فتح الملاحة جزءاً من تفاهم متزامن تتبادل فيه واشنطن وطهران إجراءات قابلة للتحقق؟
لكن واشنطن لا تدخل هذه المرحلة من موقع تفاوضي مجرد؛ فهي تعزز وجودها العسكري وتعيد توزيع قدراتها الدفاعية في المنطقة، وفي الوقت نفسه عقد كبار مسؤولي الأمن القومي الأمريكي اجتماعاً في كامب ديفيد لبحث الحرب مع إيران والتصعيد بين السعودية والحوثيين في اليمن.
وهنا تعود أهمية كامب ديفيد.
فالاجتماع لم يتعامل مع إيران واليمن باعتبارهما ملفين منفصلين، وإنما بحثهما ضمن إطار أمني واحد، وهو ما يحمل دلالة عملياتية مهمة: واشنطن بدأت تتعامل مع الخليج والبحر الأحمر باعتبارهما مسرحاً مترابطاً، وأن مضيق هرمز وباب المندب يمثلان نقطتي اختناق في منظومة واحدة ، ولم يعد النقاش محصوراً في إيران واليمن، بل يرتبط بالساحات المحيطة، من العراق ( الانسحاب من مسرح العراق ) ومن وسوريا إلى لبنان وغزة والتدخل العسكري من قبل إسرائيل، ضمن تصور أمريكي أوسع لإدارة شبكة الأزمات الإقليمية.
عسكرياً، يعني ذلك أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى الجبهات باعتبارها جزرًا منفصلة، وإنما باعتبارها منظومة واحدة يمكن أن تتبادل فيها الأطراف الضغط والمناورة ، فتهديد الملاحة في هرمز يمكن أن ينعكس على البحر الأحمر، وتصعيد الحوثيين يمكن أن يفرض على السعودية تغيير انتشارها الجوي والبري، وأي عملية أمريكية ضد إيران قد تدفع حلفاء طهران إلى تفعيل جبهات أخرى.
في هرمز، تمتلك إيران إحدى أهم أوراق الضغط الاستراتيجية ، فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل هو عقدة رئيسية في منظومة الطاقة العالمية ، ولذلك فإن اضطراب الملاحة فيه ينعكس على أسعار النفط ( الديزل تحديداً ) والشحن والتأمين، ويحوّل الممر البحري إلى أداة ضغط اقتصادية وسياسية تتجاوز قيمته العسكرية المباشرة.
لكن هذه الورقة تحمل في الوقت نفسه مخاطرة على من يستخدمها ، فاستمرار اضطراب هرمز يرفع تكلفة الحرب على إيران نفسها، ويعطي الولايات المتحدة وحلفاءها مبرراً لتعزيز الوجود البحري والجوي، وربما الانتقال من مرحلة عمليات تهدف إلى إضعاف منظومة الاستطلاع والصواريخ الإيرانية إلى الحسم العسكري.
ومن هنا تتحول معركة هرمز إلى معركة إرادات واستنزاف: ليس السؤال فقط من يستطيع تعطيل الملاحة، وإنما من يستطيع تحمل تكلفة تعطيلها لفترة أطول.
واللافت أن الحرب بدأت تنتقل من استنزاف القدرات العسكرية إلى استنزاف القدرة الاقتصادية على التحمل. فقد اتفقت دول مجموعة السبع على إطلاق نحو 100 مليون برميل من النفط ( الديزل) من الاحتياطيات الطارئة، بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة، بهدف تهدئة الأسواق وتعويض جانب من اضطراب الإمدادات. ومن المقرر أن تبدأ العملية فوراً وتمتد أربعة أشهر( فترة الشتاء ) ، مع طرح كميات كبيرة من الديزل خلال الأسابيع الأولى.
وهنا يصبح الديزل مؤشراً استراتيجياً، وليس مجرد قضية اقتصادية.
فالديزل هو وقود النقل الثقيل والزراعة والصناعة والمولدات والقطاعات اللوجستية، ولذلك فإن اضطراب إمداداته لا يبقى في أسواق الطاقة، بل ينتقل إلى كلفة النقل والغذاء والإنتاج والتضخم ، وهذا يضيف بعداً سياسياً إلى أزمة الطاقة في الولايات المتحدة وأوروبا، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الأمريكية.
وقد مارست واشنطن ضغوطاً على دول أوروبية للإفراج عن مخزونات الديزل، مع التلويح بإمكان تقييد صادرات الديزل الأمريكية، لكن الرئيس ترامب قال لاحقاً إن الولايات المتحدة لن تفرض حظراً على صادرات الديزل. وبذلك بقي الضغط الأمريكي أداة تفاوضية وسياسية أكثر منه قراراً تجارياً نافذاً.
وهذه نقطة بالغة الدلالة: الدول الكبرى بدأت تستخدم احتياطياتها الاستراتيجية لشراء الوقت.
لكن الاحتياطي يستطيع شراء الوقت، ولا يستطيع إنهاء الحرب.
فاستقرار سوق الطاقة يحتاج في النهاية إلى استقرار خطوط الإمداد، واستقرار خطوط الإمداد يحتاج إلى بيئة أمنية تسمح بحرية الملاحة، وحرية الملاحة في هرمز وباب المندب لا يمكن فصلهما عن طبيعة التسوية الأمريكية ، الإيرانية.
أما في باب المندب، فالصورة أكثر تعقيداً.
السعودية تستعد لعملية عسكرية كبيرة بالتنسيق مع القوات اليمنية الشرعية لاستعادة مناطق ساحلية ومواقع استراتيجية والوصول إلى إعادة السيطرة على باب المندب ، وإن قوة يمنية كبيرة ستشكل العمود الفقري للعملية، مع إسناد جوي سعودي ودعم أمريكي استخباري واستهدافي، في حين لا تزال المشاركة القتالية الأمريكية المباشرة غير مقررة.
وهنا يجب التمييز بين التحضير للعمليات وبين بدء العملية ، فحتى الآن لا يعني الحشد أن القرار التنفيذي النهائي قد اتخذ، لكن حجم الاستعدادات يجعل الجبهة اليمنية أحد أهم مؤشرات المرحلة المقبلة.
والأكثر أهمية أن إيران بدأت، عبر قنوات دبلوماسية، تبحث عن مسار سياسي للتعامل مع الحوثيين. فقد أعلن وزير الخارجية الباكستاني أن إيران اقترحت الانخراط السياسي مع الحوثيين، وأن اجتماعاً للسعودية وتركيا وباكستان سيبحث الفكرة في الرياض، لكنه أوضح أن المقترح ليس اتفاقاً إيرانياً رسمياً ملزماً، وإنما فكرة سياسية يجري بحثها.
وهنا تظهر دلالة عسكرية مهمة.
إذا كانت طهران ترى أن الجبهة اليمنية يمكن احتواؤها سياسياً في هذه المرحلة، فإن ذلك قد يعكس إدراكاً لتزايد مخاطر انتقال الصراع إلى عملية عسكرية سعودية واسعة، وما يمكن أن تسببه من خسارة للحوثيين في مواقعهم الساحلية ومراكز تأثيرهم على باب المندب ، علماً ان هذه المبادرة السياسية ستكون صعبة ولا اعتقد قبول الحوثيين بها بسهولة إلا إذا كان هناك ضغط إيراني قوي وربط تلك المفاوضات بينها وبين العمل العسكري المحتمل ضد ايران وكذلك مقايضة تلك التقاربات بينها وبين رفع العقوبات والضغط الاقتصاديّ على ايران ..
لكن لا ينبغي تفسير ذلك باعتباره اعترافاً إيرانياً بانهيار الحوثيين أو بانتهاء قدرتهم القتالية؛ فهذا استنتاج يحتاج إلى أدلة ميدانية مستقلة ، الأصح أن نقول إن المسار السياسي بدأ يتحرك بالتوازي مع المسار العسكري في لحظة ترتفع فيها كلفة التصعيد.
وهنا تصبح السعودية أمام معادلة دقيقة: التفاوض من جهة، والاستعداد العسكري من جهة أخرى.
أما إسرائيل، فتبقى عاملاً قادراً على تغيير قواعد الاشتباك بسرعة، خصوصاً في ما يتعلق بالقدرات الصاروخية والنووية الإيرانية. كما تنظر إسرائيل إلى شبكة الحلفاء المسلحين لإيران في لبنان واليمن والعراق باعتبارها جزءاً من البيئة الأمنية التي يجب مراقبتها والحد من قدرتها على فتح جبهات متزامنة.
لكن القرار الأمريكي يبقى في هذه المرحلة مركز الثقل الأكبر؛ لأن واشنطن هي التي تمتلك القدرة على الانتقال من مرحلة عمليات مشتركة ( عسكرية وتفاوضية) إلى عمليات واسعة النطاق( عسكرية ) من اجل ( التفاوض) ، وهي في الوقت ذاته الطرف الذي يستطيع منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية.
ولهذا فإن كامب ديفيد يمثل أكثر من اجتماع أمني.
إنه يعكس انتقال التفكير الأمريكي من إدارة جبهة إيران إلى إدارة شبكة جبهات مترابطة. فإيران في الخليج، والحوثيون في البحر الأحمر، والسعودية في الجزيرة العربية، وإسرائيل في مواجهة التهديد الإيراني، والعراق وسوريا ولبنان وغزة ضمن بيئة إقليمية قابلة للتأثر؛ كلها أصبحت عناصر في حساب عملياتي واحد.
أما إيران، فهي أمام معادلة لا تقل تعقيداً. فتهديد الملاحة في هرمز يمنحها قدرة على رفع كلفة الحرب، لكنه في الوقت ذاته يسرّع الحشد البحري الأمريكي ويزيد الضغط الاقتصادي ويهدد عائداتها وقدرتها على المناورة ، ولذلك فإن الاستخدام المفرط لورقة هرمز قد حولها من أداة ردع إلى عامل استنزاف لها .
ومن هنا فإن الصراع الحقيقي ليس حول القدرة على إغلاق المضيق فحسب، وإنما حول القدرة على تحمل نتائج الإغلاق أو الاضطراب.
ويبقى السؤال المهم للجميع : ماذا يحدث إذا انتهت نافذة نوفمبر من دون اتفاق؟
لن يعني ذلك بالضرورة انتهاء المفاوضات، لكنه قد يعني تغير طبيعتها. فقد تنتقل واشنطن من سياسة التفاوض تحت الضغط ، إلى محاولة فرض شروط تفاوضية جديدة من خلال مزيج من الضغط الاقتصادي والردع العسكري، بينما قد تحاول طهران رفع تكلفة المواجهة عبر هرمز وحلفائها الإقليميين.
عندها يمكن أن تنتقل الحرب من مواجهة أمريكية–إيرانية إلى حرب إقليمية مترابطة الجبهات: الخليج، اليمن، البحر الأحمر، إسرائيل، العراق وسوريا، مع تداعيات مباشرة على الدول المحيطة، وفي مقدمتها الأردن.
الأردن هنا ليس طرفاً في الحرب، لكنه يقع في قلب بيئتها الاستراتيجية ، وجعلت الموقع الجغرافي للأردن حساس جداً ، فكل توسع في العمليات الأمريكية أو الإيرانية سيؤثر في حركة القوات والممرات الجوية واللوجستية والدفاعات الجوية وفي حسابات أمن الحدود والعمق الاستراتيجي للمملكة. ولذلك فإن أي انتقال من مرحلة الردع إلى العمليات الواسعة سيجعل الأردن معنياً مباشرة بإدارة تداعيات الصراع، حتى مع بقائه خارج دائرة الاشتباك المباشر.
ولهذا لا ينبغي قراءة نوفمبر باعتباره موعداً لنهاية الحرب، بل باعتباره نقطة اختبار لمسار الحرب.
فإذا نجحت الوساطة، وجرى التوصل إلى ترتيب مرحلي حول هرمز والعقوبات والملف النووي، فقد تبدأ مرحلة تهدئة تدريجية، ويمكن أن تستعيد الملاحة جزءاً من طبيعتها وتبدأ الأسواق في استعادة توازنها.
أما إذا فشلت المفاوضات، واستمرت أزمة هرمز، وتصاعدت الجبهة اليمنية، وانتقلت السعودية من مرحلة التحضير إلى تنفيذ عملية عسكرية واسعة، فقد نجد أنفسنا أمام مشهد مختلف تماماً: حرب لا تدور حول البرنامج النووي الإيراني وحده، وإنما حول المضائق والطاقة وحرية الملاحة ومراكز الثقل وموازين القوة وإعادة تشكيل الإقليم.
وفي هذه الحالة، فإن الحشد العسكري الأمريكي لن يكون مجرد رسالة تهديد ، بل قد يتحول إلى قدرة عملياتية جاهزة للتنفيذ. كما أن أي ضربة أمريكية جديدة على إيران ستفتح احتمال رد إيراني متعدد المحاور، مع استمرار استعداد طهران لرد أوسع إذا استؤنفت الضربات الأمريكية الكبيرة.
الأخطر أن أزمة الطاقة أن العالم تورط وأصبح طرفاً متأثراً باستمرار الحرب. فالدول الكبرى تستخدم مخزوناتها الاستراتيجية لتخفيف الصدمة، وتحاول حماية أسواق النفط والديزل من الانفلات، بينما يبقى الحل الحقيقي خارج خزانات الاحتياط: إعادة فتح الممرات وتأمين الملاحة وإنهاء الحرب أو الوصول إلى تسوية قابلة للاستمرار.
فالاحتياطيات تستطيع شراء الوقت، لكنها لا تستطيع شراء السلام.
ومن هنا يمكن قراءة المشهد كله في معادلة استراتيجية واحدة:
هرمز هو ورقة إيران، وباب المندب ورقة الحوثيين، والسعودية تتحرك لاستعادة المبادرة والسيطرة على أحد أهم منافذ الملاحة العالمية، وإسرائيل تضغط لمنع بقاء التهديد الإيراني، وواشنطن تجمع بين الحشد العسكري والتفاوض، فيما تستخدم الدول الغربية احتياطيات الطاقة لشراء الوقت، ويقترب نوفمبر باعتباره نقطة اختبار للمسار الذي ستسلكه الحرب.
نوفمبر قد لا يكون شهر نهاية الحرب، لكنه قد يكون الشهر الذي يتحدد فيه مصير نافذة التفاوض وحدود الحرب ؛ فإما أن تنتج الدبلوماسية ترتيبات مرحلية تمنع الانفجار الكبير، وإما أن تفشل، وعندها قد تنتقل المنطقة من مرحلة الحرب تحت سقف محسوب إلى مرحلة أكثر اتساعاً، تكون فيها المضائق والطاقة والقواعد والممرات والجبهات المتعددة أدوات في معركة واحدة.
إنها ليست حرب هرمز وحدها، ولا حرب باب المندب وحدها، ولا حرب إيران وحدها؛ إنها معركة على شكل الإقليم بعد الحرب.