حرب المستوطنات .. بلاد تضيق بأصحابها
محمد حسن التل
03-10-2026 06:52 PM
ما يجري في الضفة الغربية حرب بكامل أركانها تشنها إسرائيل على الفلسطيينين الذين يدفعون دائما فاتورة أي أزمة في المنطقة أو حتى في العالم أو أي انتخابات إسرائيلة أو حتى أمريكية.. ولم يعد الفلسطينيون يسعون للدولة بمقدار خوضهم صراعا على وجودهم..
فالأحداث والتحولات في الضفة الغربية تتسارع على نحو بات يضع مستقبلها الوجودي والسياسي أمام سؤال ، إلى متى سيواجه الفلسطينيون هذه الحرب وكم سيتحملون وإلى متى وهم وحدهم ، وأي مساحة ستبقى للفلسطينيين إذا استمر تمدد الاستيطان واتسعت السيطرة الإسرائيلية على الأرض.. فالقضية لم تعد مرتبطة بحجم الاستيطان وحده، وإنما بطبيعة الواقع الذي يتشكل على الأرض، وبما إذا كان سيترك للفلسطينيين في نهاية المطاف مجالًا جغرافيًا وسياسيًا يمكن أن تقوم عليه دولة ذات مقومات فعلية.
الحكومة الإسرائيلية تمضي في سياسة توسع لم تعد تقتصر على زيادة عدد المستوطنات أو توسيع القائم منها، إذ ثمة توجه سياسي واضح داخل اليمين الحاكم إلى تثبيت الوجود الإسرائيلي في الضفة وقطع الطريق على قيام دولة فلسطينية مستقلة. وقد بات هذا التوجه يُعبَّر عنه علنًا في تصريحات وزراء ومسؤولين يدعون إلى فرض مزيد من السيطرة على الضفة ودمج أجزاء واسعة منها بصورة أعمق في المنظومة الإسرائيلية، ومع تكرار هذه المواقف، يصبح الاستيطان جزءًا من تصور سياسي لمستقبل الضفة، يقوم على فرض شكل محدد للأرض قبل أن يُحسم مصيرها في أي تسوية سياسية.
تكشف الخريطة أكثر مما تكشفه التصريحات، فالمستوطنات تتمدد، والبؤر الجديدة تُشرعن، والطرق تُشق لربط التجمعات الاستيطانية بعضها ببعض، فيما تتراجع قدرة الفلسطينيين على البناء والتوسع والوصول إلى أراضيهم ، ومع كل تغيير جديد، تصبح المساحات الفلسطينية أكثر تقطعًا وأقل اتصالًا، ولا تكمن الخطورة هنا بكل مستوطنة منفردة، وإنما بالصورة التي تنتج عن اجتماع هذه المستوطنات والطرق ومناطق النفوذ في شبكة واحدة، تُحكم السيطرة على مساحات أوسع كثيرًا من الرقعة التي تقوم عليها الأبنية نفسها.
ويحمل مشروع E1 شرقي القدس دلالة في هذا السياق، فموقعه بين القدس ومعاليه أدوميم يجعله مؤثرًا مباشرة في التواصل بين شمال الضفة وجنوبها، لذلك لا يُقرأ المشروع باعتباره توسعًا عمرانيًا فحسب، وإنما كخطوة ذات أثر سياسي على أي تصور مستقبلي لدولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، فالمساس بالترابط الجغرافي لا يغيّر شكل الخريطة فقط، بل يمس قدرة أي كيان فلسطيني مستقبلي على العمل كوحدة سياسية واقتصادية واحدة، وعلى أن تكون القدس الشرقية مرتبطة فعليًا ببقية أراضيه.
في هذا الصدد، تعكس الحياة اليومية نفسها هذا التحول ، الحواجز والبوابات وإغلاق الطرق، وهدم المنازل والمنشآت، والاستيلاء على الأراضي، وصعوبة الحصول على تراخيص للبناء، كلها عوامل تضيق الحيز المتاح للفلسطينيين، في حين يضاف عنف المستوطنين في التجمعات الريفية تحديدًا إلى هذه الضغوط، فتتحول الإقامة في بعض المناطق إلى معركة يومية للحفاظ على البيت والأرض ومصدر الرزق. ومع استمرار هذه الضغوط، يصبح البقاء نفسه أحد أوجه الصراع على الأرض؛ فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يملك الأرض قانونيًا فقط، وإنما بمن يستطيع استخدامها والسكن فيها والوصول إليها والحفاظ على وجود متصل فوقها.
المحصلة إذن تتجاوز أثر كل إجراء على حده، فبينما تتوسع المستوطنات وترتبط بشبكات طرق وبنى تحتية متصلة بإسرائيل، تبقى المدن والقرى الفلسطينية محكومة بمساحات مجزأة، تفصل بينها نقاط عسكرية ومناطق نفوذ مختلفة. وعلى هذا النحو تتغير الضفة تدريجيًا من أرض يفترض أن تشكل قاعدة لدولة فلسطينية إلى رقع متباعدة يصعب جمعها ضمن كيان سياسي واحد. وعليه، تطرح هذه التجزئة سؤالًا يتصل بجوهر مفهوم الدولة نفسها؛ إذ يصعب الحديث عن سيادة كاملة فوق أرض لا يملك سكانها حرية الحركة بين أجزائها ولا السيطرة الفعلية على المجال الذي يفصل بينها.
أعاد هذا الواقع إلى الواجهة الحديث عن الضم الفعلي، فالسيطرة على الأرض لا تحتاج دائمًا إلى إعلان رسمي أو قرار بتغيير الحدود، إذ يمكن ترسيخها عبر الإدارة والتخطيط والبناء وشبكات الطرق ونقل الصلاحيات وتثبيت وقائع يصبح الرجوع عنها أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت. وعندما تصبح المستوطنات جزءًا ثابتًا من المجال الإسرائيلي من حيث الطرق والخدمات والإدارة، بينما تتزايد عزلة التجمعات الفلسطينية بعضها عن بعض، يغدو الضم مسارًا يتقدم على الأرض حتى في غياب إعلان قانوني شامل.
من جانبها، اعتبرت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في تموز 2024 أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وربطت بين الاستيطان والتغييرات التي تطرأ على وضع الأرض المحتلة، في حين تقول إسرائيل بأن جانبًا واسعًا من إجراءاتها في الضفة تحكمه اعتبارات أمنية مرتبطة بحماية الإسرائيليين ومنع الهجمات، كما يتمسك مسؤولون إسرائيليون بالروابط التاريخية والدينية مع المنطقة. غير أن السياسات الجارية لا تفسرها الاعتبارات الأمنية وحدها، خصوصًا مع بروز خطاب داخل الحكومة يدعو صراحة إلى منع قيام دولة فلسطينية وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة. فعندما يقترن هذا الخطاب بتغيير متواصل على الأرض، يصبح الفصل بين الإجراء الأمني والمشروع السياسي أكثر صعوبة، لأن الأثر النهائي لكليهما ينعكس على شكل الضفة وعلى مستقبل السيادة فيها.
الضفة الغربية اليوم أمام عملية إعادة رسم هادئة ومتواصلة. ومع مرور الوقت، لا تصبح هذه الوقائع أكثر رسوخًا فحسب، وإنما تتحول إلى نقطة الانطلاق لأي تفاوض مقبل، بحيث لا يجري النقاش حول الأرض كما كانت، وإنما حول الأرض بعد أن أُعيد ترتيبها ميدانيًا.
وإذا استمر هذا المسار، فقد يصبح السؤال لاحقًا أقل تعلقًا بكيفية إقامة دولة فلسطينية، وأكثر تعلقًا بما إذا كانت قد بقيت لها أرض متصلة يمكن أن تقوم عليها أصلًا. فالمعركة الجارية في الضفة تتصل في أحد أبعادها الأساسية بمن يملك القدرة على تحديد شكل الحل قبل الوصول إليه، ومن يستطيع أن يجعل الوقائع المفروضة اليوم حدودًا لما يمكن التفاوض عليه غدًا.