ما بين وطنٍ نرثه .. ووطنٍ نُورّثه
د. ليال عيسوه
04-10-2026 08:58 AM
في الدول التي تُبنى على امتداد التجربة، لا يُقاس نجاح الجيل بما أنجزه في زمنه فقط، بل بما يضيفه إلى مسيرة بدأها من سبقوه، وبما يهيئه لمن يأتي بعده. والأردن الذي نراه اليوم هو امتداد لأجيال أسهمت في بناء مؤسساته وصون ثوابته والتعامل مع تحولات متعاقبة، حتى أصبح لكل مرحلة أثرها في مسيرة الوطن.
وفي تاريخ الأردن، اقترن الحفاظ على الثوابت بوعي المتغيرات والقدرة على التعامل معها بما يصون المصالح الوطنية. وفي هذا المسار، رسّخ النهج الهاشمي حضورًا ثابتًا في حماية هوية الأردن واستقراره، والتعامل مع التحولات بما يحفظ مصالحه ويعزز قدرته على مواصلة مسيرته.
ومن هنا تبرز مسؤولية القرار العام؛ فليست العبرة بكثرة القرارات، بل بدقتها، وتوقيتها، وما تتركه من أثر. وفي بلد محدود الموارد، تصبح الأولويات وحسن إدارة الإمكانات جزءًا من صميم المسؤولية، لأن القرار لا ينتهي عند لحظة صدوره، بل تمتد آثاره إلى الناس والموارد والفرص.
ولا ينفصل ذلك عن الإنسان؛ فالتعليم والتدريب والعمل تفتح للفرد طريقًا أوسع للمشاركة والإنتاج وتحمل المسؤولية. والشباب في الأردن جزء من الحاضر، وإتاحة الفرص التي تتناسب مع قدراتهم وخبراتهم تعزز حضورهم في الاقتصاد والإدارة والحياة العامة، وتمنح البلد طاقات قادرة على التجدد وصناعة خيارات جديدة.
وتبقى القيم التي تحكم العمل العام أساسًا لا تقل أهميته عن السياسات والبرامج: احترام العلم، وتقدير الخبرة، وإتقان العمل، والالتزام بالمسؤولية. فحين تصبح هذه المعاني جزءًا من السلوك اليومي، تنعكس على جودة الأداء والثقة وطريقة التعامل مع الشأن العام.
وليس أثر الجيل دائمًا في إنجاز كبير يلفت الأنظار. قد يكون في مؤسسة أصبحت أكثر قدرة، أو فرصة أُتيحت أمام إنسان، أو مورد أُدير بحكمة، أو قرار اختار المصلحة الأبعد على المكسب الأقرب. وفي مثل هذه التفاصيل يتشكل الأثر الذي يبقى بعد انتهاء اللحظة.
فالأردن الذي نرثه يحمل ما صنعه الذين سبقونا، وما نصنعه اليوم سيصبح جزءًا من الأردن الذي ستعرفه الأجيال القادمة. ومسؤوليتنا ليست أن نبدأ من جديد، بل أن نحسن التعامل مع ما وصل إلينا، وأن نطوره بما يستجيب لحاجات الحاضر، وأن نضيف إليه ما يفتح لمن بعدنا مجالًا أوسع للبناء.
فالوطن ليس أرضًا وحدودًا وتاريخًا فحسب؛ بل هو مؤسسات تُصان، وفرص تُتاح، وقيم تُحفظ، وقرارات تنظر إلى ما يتجاوز اللحظة. وبين وطنٍ نرثه ووطنٍ نُورّثه، يبقى الوفاء الحقيقي للأردن أن نسلّمه لمن بعدنا أكثر رسوخًا، وأوضح في أولوياته، وأقدر على مواصلة مسيرته.