facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إدارة التنمية في عمّان


م. محمد النجداوي
04-10-2026 10:22 AM

حين تصبح حاجة المدينة نقطة البداية… لا حدود الموازنة وحدها

هل ما زلنا ندير عمّان بالمنطق البلدي التقليدي، أم أن حجم العاصمة وطبيعة احتياجاتها يتطلبان مفهومًا أوسع هو إدارة التنمية؟

هذا السؤال لا يقيّم أداء أمانة عمّان الكبرى؛ فهي تتعامل يوميًا مع خدمات لا تحتمل التأجيل. غير أن موازنة أي مؤسسة تحكمها نفقات تشغيلية والتزامات متعددة، ولا تستطيع وحدها تمويل تنمية العاصمة في العقود المقبلة. فالسؤال الحقيقي: كيف ندير تنمية عمّان، لا موازنتها فقط؟

إدارة التنمية، في أبسط تعريف، هي النظر إلى المدينة من منظور تنميتها الشاملة، لا خدماتها وحدها: تحديد احتياجاتها وأولوياتها، وحشد مواردها وشراكاتها، وتحويل ذلك إلى برامج ومشاريع، ثم قياس أثرها على المدينة وسكانها.

ولا تبدأ عمّان من الصفر، فقد سبقتها تجارب في التخطيط وإعداد الرؤى، كالمخطط الشامل وغيره من الخطط التي تناولت مستقبل المدينة. والمشكلة في المدن الكبرى غالبًا ليست غياب الرؤية، بل غياب الجهة والأدوات التي تحوّلها إلى محفظة مشاريع ممولة ومقاسة سنة بعد سنة.

الرؤية أولًا

الرؤية صورة واضحة لما نريد أن تكون عليه المدينة خلال العقود المقبلة، ومنها تتحدد الأولويات وتُقاس النتائج. وبها تتغير نقطة البداية: فبدل أن نبدأ بما نملكه من موازنة وأصول، ثم نبحث عمّا نستطيع فعله، ننطلق من احتياجات عمّان ثم نبحث عن الوسائل.

وعندها تدخل في المعادلة إمكانات لا تظهر في الموازنة البلدية: القطاع الخاص، والمستثمرون، والمؤسسات المالية، والجامعات، والمؤسسات الوطنية والدولية، إضافة إلى الأراضي والأصول.

ولا يعني ذلك أن تتولى الأمانة كل شيء، بل أن تقوم بدور قيادي وتنسيقي يجمع هذه الأطراف حول أولويات متفق عليها. ولا تكتمل المنظومة دون السكان، فهم أعرف الناس بمشكلات مدينتهم. ويمكن أن يبدأ إشراكهم بمسح دوري لأولوياتهم على مستوى المناطق، وجلسات نقاش مفتوحة حول كل أولوية قبل إقرارها، وتقرير سنوي يبيّن ما أُخذ من الملاحظات وما لم يؤخذ ولماذا.

من المشروع المنفرد إلى المحفظة

المدينة منظومة واحدة: استعمالات الأراضي تؤثر في النقل، والنقل في الاستثمار، والاستثمار في فرص العمل، والبيئة في الصحة وجودة الحياة. ولذلك تحتاج عمّان إلى محفظة تنموية؛ أي مجموعة مترابطة من البرامج تخدم أهدافًا محددة.

فالازدحام، مثلًا، لا يُعالج بتوسعة طريق فقط، بل ببرنامج يجمع النقل العام واستعمالات الأراضي وإدارة المواقف والمشي وإدارة الطلب على الحركة، ويُقاس نجاحه بزمن الرحلة ونسبة الاعتماد على النقل العام وكلفة التنقل على الأسرة، لا بعدد الكيلومترات المنفذة.

وليس كل ما تحتاجه عمّان مشروعًا يجب أن تموّله الأمانة أو تنفذه بنفسها؛ فمنه ما يُموّل من الموازنة، ومنه ما ينفذه القطاع الخاص، ومنه ما يصلح للشراكة بين القطاعين، ومنه ما تموّله مؤسسات وطنية أو دولية. المهم أن تحدد حاجة المدينة أداة التمويل، لا العكس.

وهنا تبرز ثلاث أدوات عملية. أولها برنامج استثماري متعدد السنوات؛ فالموازنة سنوية بطبيعتها، بينما مشروع النقل الكبير قد يحتاج إلى سنوات، وإعادة تطوير منطقة قد تمتد خمسة عشر عامًا.

ويرتب هذا البرنامج المشاريع بحسب الأولوية والجاهزية والتمويل والأثر، ويُراجع دوريًا، فتبقى الأهداف الكبرى واضحة وتتغير الوسائل مع الظروف.

وثانيها بنك للمشاريع التنموية، يضم مشاريع مدروسة، لكل منها ملف يشمل الحاجة والموقع والكلفة التقديرية والأثر المتوقع ونموذج التمويل المحتمل.

فالمستثمر لا يدخل في فكرة غامضة، والمؤسسات المالية لا تموّل عنوانًا عامًا. وبذلك تمتلك المدينة أجندتها، ثم تبحث عن الشريك المناسب، فتقود التنمية اتجاه الاستثمار.

وثالثها منصة بيانات حضرية؛ فالمدينة التي لا تعرف أين ينمو سكانها، وكيف يتحركون، وأين تتركز الوظائف والأراضي غير المستغلة، ستظل تعالج مشكلاتها بعد وقوعها. والبيانات هنا أداة يومية لصناعة القرار وجزء من الحوكمة.

ولهذا النهج تجارب يمكن التعلم منها، مثل ميديين الكولومبية في مشروعات التحول الحضري المتكامل، وسنغافورة في التخطيط طويل الأمد. والمقصود استخلاص الدروس مما نجح وما تعثر، لا النقل الحرفي.

الأرض العامة أداة تنمية

تملك عمّان موردًا ينبغي النظر إليه بطريقة مختلفة: الأرض. فإلى جانب كونها أصلًا يُباع أو يُؤجّر لتحقيق إيراد، يمكن أن تكون أداة لتحفيز تطوير منطقة، أو توفير مرفق عام، أو توجيه النمو. وعندها لا يكون السؤال: كم يساوي الأصل اليوم؟ وحده، بل أيضًا: ما القيمة التي يستطيع أن يصنعها للمدينة غدًا؟

وهذا يحتاج إلى ضمانات بقدر ما يحتاج إلى رؤية: معايير اختيار معلنة، وتقييم مستقل، وشروط شراكة واضحة، ونتائج قابلة للمراجعة. فللنهج مخاطره؛ من التزامات مالية طويلة الأجل، وتضارب مصالح، ومشاريع قد تتعثر. وأفضل ما يحمي منها إعلان الشروط، وتوزيع المخاطر بوضوح، ومراجعة دورية تسمح بتصحيح المسار أو إيقاف ما لا يحقق أثره.

من يقود هذه المنظومة؟

ليس المطلوب بالضرورة مؤسسة جديدة؛ فإنشاؤها لا يضمن وحده تغيير طريقة العمل. المطلوب أولًا وظيفة واضحة لقيادة التنمية الحضرية، تجمع التخطيط والاستثمار والتمويل والبيانات وقياس الأداء حول أجندة واحدة للمدينة، وترتبط بمستوى إداري قادر على التنسيق بين القطاعات، وتمتلك صلاحية إعداد المحفظة وترتيب أولوياتها ومتابعة تنفيذها.

وتُحسم علاقتها بالجهات الأخرى بتحديد المسؤوليات مسبقًا: من يقرّ المحفظة؟ ومن ينسق مع الوزارات؟ وأين تُرفع تقارير الأثر؟ وإن تطلب ذلك تعديلًا تشريعيًا، فينبغي تحديده في السنة الأولى، لا تأجيله.

يمكن أن نضع لعمّان أفقًا لعشرين سنة، وبرنامجًا واضحًا للعقد الأول. وفي السنوات الثلاث الأولى تُبنى منظومة البيانات، وتُحدد الأولويات، ويُعد بنك المشاريع، وتُطوّر نماذج التمويل، وتبدأ مشاريع سريعة الأثر، مع بناء فريق متخصص في التفاوض على الشراكات والتقييم المالي وتحليل البيانات.

وتبقى الاستمرارية تحديًا؛ فبرنامج بهذا الأفق سيمر على أكثر من مجلس وقيادة. وما يحميه أن تكون رؤيته وأهدافه ومؤشراته ومحفظته معلنة ومقرّة رسميًا وقابلة للقياس، مع تقرير علني سنوي عن مؤشراته ومراجعة مستقلة دورية لنتائجه، بحيث يعدّلها من يأتي بعد ذلك بناءً على التقييم، لا أن يلغيها لمجرد التغيير.

وعند نهاية العقد لا يكون السؤال: كم مشروعًا أنجزنا؟ بل: هل أصبحت عمّان مدينة أفضل مما كانت عليه؟

إدارة التنمية في عمّان ليست اسمًا جديدًا لوظيفة قديمة، ولا طبقة إضافية في هيكل الأمانة. إنها انتقال في السؤال نفسه: من «كيف ندير ما لدينا؟» إلى «ماذا تحتاج عمّان، وكيف نحشد ما لديها وما لدى غيرها لتحقيقه؟»؛ من قياس الإنفاق إلى قياس الأثر، ومن المشروع المنفرد إلى المحفظة، ومن موازنة السنة إلى أفق المدينة.

وقد تكون البداية أبسط مما نتصور: اختيار أولوية واحدة من أولويات عمّان، وإعداد ملف واضح لها يحدد الحاجة والكلفة، ومن يقود ومن يشارك، وكيف نقيس النجاح، ثم وضعه أمام الناس للنقاش.

من هنا تبدأ رؤية عمّان بالتحول من فكرة عن المستقبل إلى طريقة لإدارة التنمية في الحاضر.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :