"بنت الناطور" للقاصَّة رجاء حمدان
04-10-2026 01:54 PM
عمون - قراءة مصطفى القرنة - في بعض الروايات، لا تكون الحكاية هي الشيء الأهم الذي يبقى في الذاكرة، وإنما ذلك الأثر الخفي الذي تتركه شخصية ما في القارئ، كأنها خرجت من الورق وجلست طويلًا إلى جواره. وهذا ما تفعله «بنت الناطور» لرجاء حمدان؛ إذ تضع أمامنا فتاة تحمل في سيرتها اليومية أكثر من قصة شخصية. إنها تحمل سؤالًا اجتماعيًا كاملًا عن الإنسان حين يولد في مكان لا يشبه المكان الذي يحلم به، وعن المسافة التي تنشأ بين ما يراه المجتمع فيه وما يراه هو في نفسه.
يبدو عنوان الرواية للوهلة الأولى بسيطًا، وربما عابرًا، لكن هذه البساطة تخفي وراءها عالمًا اجتماعيًا كاملًا. «بنت الناطور» ليست مجرد عبارة تشير إلى نسب البطلة، فالناطور هنا يحضر بوصفه علامة على موقع اجتماعي معين، والبطلة تحمل هذا الانتماء معها أينما ذهبت. منذ اللحظة الأولى يصبح الاسم جزءًا من الصراع؛ فالفتاة تدخل العالم وهي تحمل تعريفًا جاهزًا عنها، تعريفًا لم تختره بنفسها. ومع ذلك، تمضي في حياتها محاولة أن تملأ هذا الاسم بمعنى جديد، وأن تمنحه مساحة أوسع من تلك التي أرادها له المجتمع.
وهنا تكمن قوة الشخصية. البطلة لا تبدو شخصية مصنوعة من البطولة السهلة؛ قوتها تتكون تحت الضغط، وتتداخل فيها الرغبة في النجاح مع الحساسية تجاه نظرات الآخرين. لديها كبرياء واضح، وهذا الكبرياء يمنحها حضورًا خاصًا، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن إنسانة تعرف جيدًا كيف يمكن للكلمة والنظرة والموقف أن تجرح. لذلك تأتي صلابتها وكأنها لغة أخرى للدفاع عن النفس. كلما شعرت أن العالم يريد أن يصغرها، ازدادت تمسكًا بالصورة التي تريد أن تكون عليها.
والجمال في هذه الشخصية يأخذ معناه تدريجيًا. قد تقع العين أولًا على جمال الفتاة، لكن الرواية تدفعنا بعد ذلك إلى مكان آخر؛ إلى جمال الإرادة، وإلى جمال الإنسان حين يحاول أن يحافظ على كرامته وسط ظروف لا تساعده. وهنا تتجاوز الشخصية صورتها الجسدية لتصبح فكرة عن المرأة التي تعرف أن قيمتها لا تتوقف عند نظرة عابرة أو إعجاب عابر. الجمال الحقيقي يظهر في الطريقة التي تحمل بها نفسها، وفي قدرتها على الاستمرار حين يصبح الاستمرار نفسه امتحانًا.
ومن أكثر العناصر إثارة في الرواية ذلك الاحتكاك الصامت بين البطلة والطبقة الاجتماعية المحيطة بها. فالطبقية لا تظهر دائمًا في صورة مواجهة صريحة؛ أحيانًا تكفي إشارة صغيرة، أو طريقة في الحديث، أو مسافة بين شخصين، لكي يشعر المرء بأنه يقف في المكان الخطأ. هذه التفاصيل هي التي تجعل الصراع مقنعًا؛ لأن التمييز الاجتماعي في الحياة اليومية غالبًا ما يأتي بهذه الصورة الهادئة التي يصعب الإمساك بها، لكنها تترك أثرها في النفس.
رجاء حمدان تجعل هذا العالم محسوسًا من خلال البطلة. نرى المجتمع وهي تتحرك داخله، ونشعر بثقل الأحكام التي تسبقها إلى الأماكن. إنها مطالبة بأن تثبت نفسها أكثر من مرة، وأن تجعل نجاحها جوابًا عن أسئلة لم تطلب أن تُطرح عليها أصلًا. ومن هنا يصبح طموحها موقفًا إنسانيًا عميقًا؛ فهي تريد أن تعيش الحياة التي تراها ممكنة لنفسها، حتى حين يرى الآخرون أن حدودها قد رُسمت منذ ولادتها.
ولذلك يكتسب العلم في الرواية دلالة تتجاوز الدراسة. إنه مساحة تكتشف فيها البطلة ذاتها، وطريق تستطيع من خلاله أن تعيد ترتيب علاقتها بالعالم. المعرفة تمنحها القدرة على التفكير في المصير بدل الاستسلام له. إنها تتعلم، وفي أثناء تعلمها تتغير صورتها عن نفسها. كل معرفة جديدة تفتح نافذة، وكل نافذة تجعل العالم أقل ضيقًا.
وهذه العلاقة بين العلم والحرية تمنح الرواية بعدًا إنسانيًا لافتًا. فالتعليم هنا ليس مجرد وسيلة للارتقاء، وإنما فعل من أفعال بناء الذات. البطلة لا تبحث عن مكان أعلى لكي تتباهى به أمام الآخرين؛ إنها تبحث عن مساحة تستطيع فيها أن تكون نفسها من دون أن يسبقها اسم أبيها إلى كل مكان.
أما الجانب النفسي في الرواية فيمنح هذه الرحلة صدقها. فالإنسان الذي يواجه المجتمع لا يتحول فجأة إلى بطل لا يخاف. تبقى داخله أسئلة كثيرة، وتبقى هناك لحظات يشعر فيها بثقل الطريق. البطلة تحمل شيئًا من هذا القلق، ولهذا تبدو صلابتها مقنعة. نحن لا نصدق الشخصية لأنها قوية طوال الوقت، بل لأننا نلمح خلف قوتها إنسانة يمكن أن تتألم، ويمكن أن تتردد، ثم تجد في داخلها ما يدفعها إلى متابعة الطريق.
ومن هنا تصبح الكرامة أحد المفاتيح الأساسية لفهم الرواية. الكرامة ليست كلمة كبيرة تُرفع في الخطب، وإنما تفاصيل صغيرة تتعلق بطريقة الإنسان في الوقوف، والكلام، والاختيار، والنظر إلى نفسه. البطلة تعرف أن خسارة بعض الأشياء يمكن احتمالها، أما خسارة احترامها لذاتها فثمنها مختلف. لذلك يبدو تمسكها بكرامتها جزءًا من تكوينها الداخلي، ويصبح صمودها مفهومًا من خلال هذا الوعي.
وتمنح هذه الرؤية الرواية حساسية خاصة تجاه المرأة. فالبطلة تتحرك داخل عالم اجتماعي محكوم بالفوارق الطبقية، وتواجه في الوقت نفسه التوقعات التي تحيط بالفتاة وبصورتها ومكانتها. إنها تحاول أن تكون صاحبة قرار في حياتها، وأن تجعل طموحها أمرًا طبيعيًا، وأن تمنح عقلها وتعليمها وحلمها المساحة التي يستحقها. ولهذا يمكن قراءة الشخصية بوصفها صورة لامرأة تصنع حضورها بالتدريج، من خلال التجربة والعمل والصبر.
ولعل أجمل ما في الرواية أن أصل البطلة لا يتحول إلى شيء يجب التخلص منه. الناطور يبقى جزءًا من حكايتها، والأسرة تبقى جزءًا من ذاكرتها، والبيئة التي جاءت منها تظل حاضرة في تكوينها. لكن الإنسان، كما توحي الرواية، لا ينتهي عند بدايته. هناك دائمًا مساحة بين الجذور والأفق، وهناك حياة كاملة يمكن أن تنمو في هذه المسافة.
لهذا يبدو عنوان الرواية في النهاية أكثر عمقًا. «بنت الناطور» التي يمكن أن تُقال بنبرة تقليل تصبح اسمًا يحمل تاريخًا وكرامة وتجربة. يتغير وقع الكلمات حين تتغير نظرة الإنسان إلى نفسه. وربما هنا تكمن إحدى أجمل حركات الرواية: المجتمع يحاول أن يمنح البطلة اسمًا يحدد مكانها، وهي تمضي في حياتها لتمنح الاسم معنى جديدًا.
وعندما نصل إلى نهاية هذه التجربة، لا تبقى صورة فتاة جميلة وطموحة فقط، وإنما تبقى صورة إنسان يقاوم الطريقة التي يريد الآخرون أن يروه بها. وهذه المقاومة هي التي تمنح الرواية قيمتها الجمالية. فالحكاية تنجح حين تجعل الخاص مرآة للعام؛ قصة فتاة واحدة تفتح أمام القارئ أسئلة كثيرة عن الفقر والمكانة والعلم والمرأة والكرامة، وعن تلك الحدود الخفية التي يرسمها المجتمع حول الإنسان قبل أن تتاح له فرصة رسم حياته بنفسه.
«بنت الناطور» رواية تمنح بطلتها فرصة لأن تكبر من داخل الحكاية. تبدأ من اسم يحدد مكانها، وتمضي نحو وعي يوسع هذا المكان. وبين البداية والنهاية تتشكل شخصية تعرف أن الطريق لن يكون سهلًا، لكنها تعرف شيئًا أهم: أن الطريق الصعب يظل طريقًا ما دام الإنسان قادرًا على السير. وربما لهذا تبقى البطلة في الذاكرة؛ لأنها لا تمثل انتصارًا خارقًا على الحياة، وإنما تمثل ذلك الانتصار الهادئ الذي يحدث حين يقرر الإنسان أن يأخذ نفسه على محمل الجد.