تنامي ظاهرة الجريمة تقض مضاجع مجتمعنا وأجهزتها الأمنية
د. ضرار غالب العدوان
05-10-2026 12:23 PM
إن ظاهرة الجريمة هي من أهم الظواهر السلبية المستشرية منذ بدء الخليقة ، وقد كان ذلك حينما أقدم هابيل على قتل أخيه هابيل ، وقد كانت تلك الجريمة المأساة التاريخية الأولى التي عرفتها البشرية منذ وجودها ، وغني عن التعريف بأن الجريمة هي من الظواهر التي تعددت وتنوعت أشكالها ، وقد أصبحت منظمة وواسعة الإنتشار ، وذلك في ظل ما يشهده العالم من حولنا من تطورات متسارعة وبخاصة في مجال ثورة تقنية الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات .
وقد لا يخلو مجتمع من المجتمعات من هذه الظاهرة ، وما من ريب أنها قد تختلف من مجتمع لآخر ، ومرد ذلك كله عائد إلى منظومة القيم والعادات والتقاليد ، إذ أن لكل مجتمع سمته وطبيعته وخصائصه التي يختص بها عن غيره من المجتمعات ، والتي تلعب بشكل أو بأخر في تحديد مسار أنماط سلوكياته سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أم الجماعات.
والشىء بالشيء يذكر ، فقد اعتادت البشرية - بتدرج مراحل تطورها - على أنماط مختلفة من المسلكيات الأجرامية ، وقد شهدت - أيضاً - على تعاقب مراحل تطور المجتمع إلانساني قاطبة أشكالا وصنوفا متعددة ومتنوعة من أشكال الجريمة المنظمة - بمفهومها الحديث - والتي أصبحت تؤرق مجتمعنا وتثير الهواجس والمخاوف لدى الجميع.
ومن المهم أن أشير هنا إلى أن الإنسان - كائناً من كان - يولد وهو على الفطرة السوية السليمة ، والتي لا تعرف الأذى أو الأجرام ، ولكن قد تساهم البيئة المحيطة به - بشكل أو بآخر - في تشكيل شخصية الفرد والتأثير فيه منذ المراحل الأولى لولادته ، ذلك أن هذه المرحلة الإبتدائية ذات أثر بالغ في تكوين ملامح شخصية الفرد وتحديد ميوله وأتجاهاته المستقبلية.
ومع تقادم الزمن ما من شك في أن البيئة المحيطة به والتي يعيش فيها ، هي التي قد تدفعهم نحو الانحراف إلى السلوك غير المستقيم ، والقيام بمسلكيات سلبية وغير مقبولة لدى الآخرين والمجتمع ككل ، وفي هذا السياق تستحضرني نظرية العالم إدوين لمرت وهو المتخصص في علم الاجتماع والانثرويولوجيا ، والتي تفترض أن كل كل الأشخاص يقومون بارتكاب السلوكيات الإجرامية وذلك كنتيجة لردود أفعال المجتمع بهم تجاهم .
والمهم في الأمر أن السلوك إلاجرامي ، لا يعد سلوكاً يتم تناقله بالوراثة أو بسبب التكوين الخلقي أو النفسي لأي فرد من الأفراد ، وإنما هو سلوك أنساني مكتسب يتعلمه الفرد كأي نمط سلوكي آخر ، وذلك من خلال تأثره وتأثيره في البيئة المحيطة فيه ، سواء أكان ذلك على مستوى الأسرة أم الحي أم المدرسة ام المجتمع المحلي ككل.
وقد نهى الدين إلاسلامي الحنيف - وبشكل قاطع - عن قتل الغير عمداً ، وذلك تكريماً من الله - تبارك وتعالى - لبني آدم ، إذ أن جزاء القاتل كما قال الباري- جل جلاله - في محكم تنزيل كتابه الكريم سيكون حتماً نار جهنم وبئس المهاد والمصير ، ذلك أن الخالق حينما خلق الإنسان قد خلقه ليجعل منه خليفة له في الأرض فيعمرها ، لا أن يسفك الدماء ويعيث فيها فساداً وافسادا ، ويثر الهلع والفزع بين الناس المسالمين الآمنين.
ولكي يتحقق الأمن في المجتمع ويستتب ، فقد نهى الإسلام عن القيام بالأعمال السلبية ، والتي تثير الخوف والذعر بين الناس كالإيذاء أو القتل أو التجسس أو سوء الظن ونحوهما ، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( المؤمنون من آمنه الناس على دمائهم وأموالهم) كذلك قال عليه الصلاة والسلام ( المسلم من سلم الناس من يده ولسانه ) وبقي أن اذكر بقوله تبارك وتعالى ( لا يحل لمسلم أن يروع مسلما) صدق الله العظيم .
ولتوضيح معالم الصورة أكثر فأكثر ، فإن ظاهرة القتل والأخذ بالثأر ترجع إلى ما قبل قيام دولة الإسلام ،ولكن أمتد أثرها وأصبحت عادة متوارثة ، وذلك على الرغم من تحريم الدين إلاسلامي الحنيف وتعاليمه السمحة لها ، والذي أعتبرها جريمة قد تفتك بالمجتمع البشري وتبيده ككل ، لذلك شرعت الشريعة الإسلامية استناداً إلى نصوص قرآنية كريمه - قطعية الثبوت والدلالة - تحريم القتل ، وقد شرعت عقوبة القصاص العادل ، والذي تتكفل الدولة بتنفيذه على الجميع سواء بسواء ، وهذا هو الأمر المطبق في جميع الدول الإسلامية ، إلا أن هناك ثمة حالات شاذه لا تستطيع الدولة فرض السيطرة عليها وبخاصة في ثورة الدم.
وفي سياق متصل لعل من المناسب الإشارة إلى أن أسباب الجريمة ناتج بشكل أساسي عن ضعف الوازع الدينى والأخلاقي ، والعيش في بيئة فاسدة ، وغيرها من الأسباب التي تؤدي إلى الوصول إلى هذه المرحلة من الإجرام ، ولعل أن أهمها على الإطلاق تردي الأوضاع الإقتصادية والمعيشية ،والتي من أبرزها تفشي الفقر والبطالة ، وهو الأمر الذي يضع الأفراد نتيجة الفراغ إلى الجنوح نحو تعاطي المخدرات أو المسكرات ، أو القيام بأفعال منافية للحياء العام ، أو السرقة أو الأحتيال ونحوهما ، لذلك فمن الطبيعي أن تختلف طبائع البشر وتختلف نظرتهم إلى الأمور من شخص لآخر.
واخيراً وليس اخراً لعل أن صدق ما ذهبت إليه هو تقارير مديرية الأمن العام والتي تشير إلى أن مراكز الاصلاح والتأهيل في الاردن مكتظه بالنزلاء وأن طاقتها الاستيعابية لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الموقوفين بأمر قضائي أو إداري، وهذه الظاهرة تحتاج إلى وقفة تأمل مع الذات وإجراء دراسة مستفيضة للتخفيف من وطأة هذه الظاهرة السلبية.