إدارة الأزمة لم تعد تكفي
المحامي الدكتور هيثم عريفج
05-10-2026 04:37 PM
الأردن لا يواجه أزمة اقتصادية عابرة، بل مأزقاً تراكم عبر سنوات نتيجة أخطاء في السياسات، وتأخر في اتخاذ قرارات ضرورية، واختلال في توزيع الأعباء، وضعف في فاعلية الرقابة المالية والإدارية ومحسوبية وعدم تكافؤ فرص وعدم اختيار الأصلح .
تراكم المشكلة لا يمكن أن يتحول إلى عذر دائم تتوارثه الحكومات. فالمواطن لا ينتظر من الحكومة أن تشرح له كيف وصلنا إلى هنا، بل أن تقدم طريقاً واضحاً للخروج.
حكومة الدكتور جعفر حسان جاءت في الأصل تحت عنوان اقتصادي وإداري واضح. فهي ليست حكومة أغلبية حزبية قامت على برنامج سياسي انتخبه المواطنون ولم تقدم طرحا سياسيا واضحا للملفات الشائكة التي تعاني منها المنطقة، بل حكومة يغلب عليها الطابع التكنوقراطي، ولذلك فإن معيار نجاحها الأساسي يجب أن يكون قدرتها على تحسين الاقتصاد والواقع المعيشي.
وهنا تكمن المسألة.
حتى الآن، لا يشعر المواطن بأن هناك تحولاً يوازي حجم التحديات. البطالة ما تزال مرتفعة، وكلفة الحياة تضغط على الأسر، والدخل يفقد جزءاً من قدرته على تغطية الاحتياجات، بينما ينتظر الشباب فرص عمل لا تزال محدودة قياساً بحجم الداخلين إلى السوق.
المواطن لا يتعامل مع الاقتصاد باعتباره نسب نمو أو مؤشرات كلية. الاقتصاد بالنسبة إليه هو قدرته على دفع الإيجار، وتسديد الأقساط، وتأمين الغذاء والنقل والتعليم، والعيش دون قلق دائم من المصروف القادم.
من هنا تأتي أهمية الرؤية الديمقراطية الاجتماعية ، نحن لا نرفض الاستثمار ولا القطاع الخاص ولا النمو، بل نعتبرها جميعاً ضرورية. لكن الاقتصاد الناجح هو الذي يحول هذه العناصر إلى عمل لائق، وأجور أفضل، وطبقة وسطى أكثر قوة، وفرص أكثر عدالة بين العاصمة والمحافظات.
فالنمو الذي لا يصل أثره إلى غالبية الناس يبقى ناقصاً، حتى لو تحسنت بعض المؤشرات.
نحن ننظر إلى العدالة باعتبارها جزءاً من كفاءة الاقتصاد، لا عبئاً عليه. ولذلك فإن المطلوب هو اقتصاد منتج يخلق الوظائف، ونظام ضريبي أكثر إنصافاً، وتعليم مرتبط فعلياً بسوق العمل، واستثمار موزع بصورة أوسع، وحماية اجتماعية تحفظ كرامة من يحتاجها دون تحويل الدولة إلى مجرد جهة لتوزيع المساعدات.
أن معالجة الأزمة لا تنفصل عن إصلاح الإدارة العامة.
ووجود أجهزة رقابية وتقارير دورية لا يكفي إذا استمرت المخالفات والأخطاء نفسها. القيمة الحقيقية للرقابة هي أن تمنع الهدر، وتحدد المسؤولية، وتؤدي إلى محاسبة واضحة، ثم تغلق الثغرات التي سمحت بوقوع الخلل.
من غير المقبول أن يبقى المواطن الحلقة الأسهل في أي معالجة مالية. الإصلاح يجب أن يبدأ برفع كفاءة الإنفاق العام، ومراجعة الأولويات، وضبط الهدر، وتحسين الإدارة، قبل فرض أعباء جديدة على الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل.
الحكومة الحالية ليست مطالبة بإدارة الأزمة حتى نهاية ولايتها، بل بكسر الحلقة التي أبقت الأردن سنوات في دائرة النمو المحدود، والبطالة المرتفعة، وتراجع القدرة الشرائية.
هذا يحتاج إلى قرارات جريئة، لكنها عادلة. ويحتاج كذلك إلى الاستعداد لمراجعة السياسات التي لم تحقق أهدافها، بدلاً من الاستمرار فيها لمجرد أنها أصبحت جزءاً من النهج المعتاد.
كما يحتاج إلى قدر أكبر من الشفافية في تقييم الأداء: ما الذي تحقق؟ وما الذي تعثر؟ ولماذا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
النجاح الاقتصادي لأي حكومة لا يثبت بكثرة المشاريع المعلنة أو المؤتمرات أو الخطط، وإنما بما يحدث فعلياً في سوق العمل، ومستوى الدخل، وجودة الخدمات، وقدرة الاقتصاد على منح المواطنين أملاً حقيقياً بالمستقبل.
الأردن يحتاج حكومة تنقل البلد من إدارة الصعوبات إلى معالجة أسبابها.