الجامعة الأردنية في حضرة المعلم
بهاء الشنتير
05-10-2026 06:20 PM
من يصنع الإنسان يصنع الوطن
هناك أماكن صغيرةٌ في مساحتها، لكنها تتسع لأعمارٍ كاملة؛ والمدرسة واحدةٌ منها. ففي غرفةٍ صفية قد تبدو عادية، يقف معلّم أمام طالب، فيشرح درسًا؛ لكنه، في المعنى الأعمق، يفتح أمامه بابًا لم يكن يراه، ويمنحه قدرةً قد تصير يومًا مهنةً أو فكرةً أو موقفًا أو أثرًا في حياة الآخرين.
لهذا لا يأتي يوم المعلّم بوصفه موعدًا للاحتفاء بمهنة، بل بوصفه لحظةً لاستعادة أصل الحكاية: قبل الشهادة كان هناك معلّم، وقبل الإنجاز كانت هناك كلمة، وقبل أن يصبح الإنسان ما هو عليه، كان ثمة من آمن بقدرته على أن يصبح.
وفي الجامعة الأردنية، الجامعة الأم، حيث تلتقي المعرفة بتاريخٍ طويل من صناعة الكفاءات، اكتسبت المناسبة معنىً يتجاوز الاحتفال. فقد شارك الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، رئيس الجامعة الأردنية، أسرة مدرسة الجامعة احتفاءها بيوم المعلّم، والتقى الهيئتين التعليمية والإدارية والطلبة، وتحدث عبر إذاعة الجامعة الأردنية، مؤكدًا أن تهنئة المعلمين وشكرهم واجبٌ يليق بما يقدمونه للطلبة وللأردن.
وليس عابرًا أن يصدر هذا الحديث من الجامعة التي كانت على امتداد عقود بيتًا للمعرفة، ومصنعًا للكفاءات، ورافدًا أساسيًا لمؤسسات الدولة والمجتمع. فالجامعة الأردنية لا تقف على هامش قصة التعليم الأردني؛ إنها واحدةٌ من علاماته الكبرى، وامتدادٌ متقدم للرسالة التي تبدأ من المدرسة وتواصل الجامعة تعميقها وتوسيع آفاقها.
وكان الأعمق في حديث الأستاذ الدكتور نذير عبيدات ذاكرته الشخصية؛ إذ عاد إلى معلميه، إلى مواقف ونصائح بقيت معه رغم تغير السنوات والمواقع. وفي هذه الاستعادة شهادةٌ لا تحتاج إلى كثير شرح: المعلّم قد يغادر الصف، لكنه لا يغادر أثره.
لكن المشهد اتسع أكثر حين استحضر الأستاذ الدكتور نذير عبارته الواضحة: «قدوتنا جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم».
في يوم المعلّم، لا تبدو هذه العبارة عابرة؛ فهي تضع القدوة في موضعها، وتصل بين قيمة التعليم وقيمة القيادة. وحين يستحضر رئيس الجامعة الأردنية زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله، في اليوم السابق، لإحدى مدارس العقبة، فإن الكلمة تلتقي بالفعل، وتصبح القدوة مشهدًا حيًا لا مجرد معنى يُقال.
فالملك الذي يصل إلى المدرسة يقترب من المكان الذي تتشكل فيه البدايات الأولى للأردنيين، والملكة التي جعلت من التعليم مساحةً راسخة في حضورها الوطني تضع هذه القضية في دائرة الاهتمام الذي يتجاوز المناسبة إلى المستقبل. إنهما لا يزوران المدرسة فحسب؛ إنهما يرفعانها إلى مستوى القضية الوطنية.
ومن هنا تتجلى قيمة الحضور الملكي: حين تلتقي القيادة بالمعلم والطالب في المدرسة، يصبح التعليم جزءًا من صورة الأردن التي تُبنى بالفعل؛ الأردن الذي يعرف أن قوته لا تقاس بما يملك من موارد فقط، بل بما يصنعه من عقول، وما يزرعه من قيم، وما يمنحه لأبنائه من قدرة على مواجهة القادم.
وهنا تلتقي صورة القيادة بصورة الجامعة الأم.
فالجامعة الأردنية، التي حملت اسم الأردن منذ تأسيسها، لم تكن مجرد قاعاتٍ ومحاضرات؛ كانت جسرًا عبرت عليه أجيالٌ من الأطباء والمهندسين والعلماء والقانونيين والأكاديميين والكفاءات والقيادات، حتى غدا اسمها جزءًا من الذاكرة العلمية والوطنية للأردن. وحين تحتفي مدرسة الجامعة بمعلميها بحضور رئيس الجامعة، فإن الدائرة تكتمل رمزيًا: من الصف الذي يزرع البدايات، إلى الجامعة التي تصنع المعرفة، إلى المجتمع الذي يرى أثرها في كل ميدان.
وقد عبّر الأستاذ الدكتور نذير عبيدات عن هذا الامتداد من موقعه الأكاديمي والإنساني؛ فالرجل الذي يقود اليوم الجامعة الأردنية كان يومًا طالبًا يتلقى من معلميه كلمةً ونصيحةً وموقفًا، ثم حملها معه إلى مراحل لاحقة من حياته. وفي ذلك درسٌ بليغ: أن بعض ما نأخذه من معلمينا لا يظهر في الشهادات، لكنه يظهر في الطريقة التي نصبح بها.
وفي زمنٍ تتسارع فيه المعرفة، وتتبدل أدوات التعليم، وتتقدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا تتراجع قيمة المعلم؛ بل تتعمق مسؤوليته. فالتقنية تستدعي المعلومة، والمنصة تفتح أبواب المعرفة، لكن المعلم هو من يحول المعرفة إلى وعي، والمعلومة إلى قدرة، والقدرة إلى موقف.
هو الذي يعرف أن بعض الطلبة يحتاجون إلى إجابة، وبعضهم يحتاج إلى سؤال، وأن كلمةً في توقيتها قد تفعل ما لا تفعله عشرات الصفحات.
ولهذا فإن ما يزرعه المعلم لا يقاس بورقة امتحان فقط. أثره يظهر لاحقًا في طبيبٍ يتقن مهنته، ومهندسٍ يبني بإتقان، وباحثٍ يواصل السؤال، وأستاذٍ يورث المعرفة، ومواطنٍ يعرف أن العلم مسؤولية قبل أن يكون وسيلةً للارتقاء.
كل هؤلاء مرّوا من باب مدرسة، وكل واحدٍ منهم حمل معه شيئًا من معلّم.
ومن هنا، فإن قول الأستاذ الدكتور نذير عبيدات للمعلمين إنهم يبنون أجيالًا قادرةً ومتمكنةً من مواجهة التحديات ليس عبارةً احتفالية؛ إنه توصيفٌ لدورٍ يتقدم مع كل تحول. فالتحديات الجديدة لا تحتاج إلى حفظ المعلومات بقدر ما تحتاج إلى عقول تعرف كيف تفكر، وتبتكر، وتتكيّف، وتختار حين لا تكون الإجابة جاهزة.
وهذه هي المهمة التي تجعل التعليم قضيةً تتجاوز الصف: أن نُعدّ أجيالًا لا تكتفي بأن تعرف، بل تستطيع أن تستخدم ما تعرفه في صناعة الحل.
ولذلك فإن تكريم المعلم ليس تكريمًا لمن يقف أمام السبورة فحسب؛ إنه تقديرٌ لمن يضع اللبنات الأولى في شخصية كل من سيقف لاحقًا في موقعٍ من مواقع العمل والعطاء. وقد لا يظهر اسمه في الإنجاز الذي يأتي بعد سنوات، لكن شيئًا من صوته وصبره وثقته وانضباطه سيبقى حاضرًا فيه.
وفي يوم المعلّم، تتجاور صورة الملك والملكة في المدرسة، وصورة رئيس الجامعة في مدرسته، وصورة المعلّم في صفه، لتقول شيئًا واحدًا: إن الأردن يعرف أين تبدأ قوته الحقيقية.
تبدأ من قدوةٍ تقود، وقيادةٍ تؤمن بالتعليم، وجامعةٍ تحمل راية المعرفة، ومعلّمٍ يصوغ العقول؛ ومن هنا يبدأ الأردن، قبل أن يُرى.