ما لم تكتبه السبورة ! .. طايع عبد الحميد المجالي
علي مطلب المجالي
05-10-2026 10:30 PM
في يوم المعلم
تستعيد الذاكرة أسماءً لا تحضرها المناسبة بقدر ما تستمد المناسبة معناها من سيرتهم.
من بينهم الأستاذ طايع عبد الحميد المجالي، رحمه الله.
كان معلّمي، وكنتُ تلميذًا لم يكن يعرف يومها أن بعض ما يسمعه في الصف سيحتاج إلى سنواتٍ طويلة حتى يفهمه.
ما زلت أذكر نبرة صوته حين يتحدث عن الوطن؛ لم تكن وطنيةً صاخبة، بل صدقًا هادئًا، كأن الوطن في صوته لم يكن موضوعًا للكلام، بل قيمةً ينبغي أن تُصان في السلوك.
كان يرى التعليم أبعد من الكتاب، والتربية أبعد من الصف؛ فلا علم بلا خُلق، ولا معرفة بلا مسؤولية، ولا انتماء حقيقي بلا سلوك يصدّقه.
ومع مرور السنوات، أدركت أن الدرس ليس دائمًا ما يُكتب على السبورة. بعض الدروس تتركها الأيام فينا، ثم نكتشف متأخرين أن كلمات قيلت لنا في الطفولة كانت تحمل معنى لم ينضج إلا مع العمر.
كم من درسٍ نسيناه، وبقي صاحبه.
وكم من عبارةٍ لم نفهمها يوم قيلت، ثم جاءت الحياة فشرحتها بطريقتها.
لهذا، لم يكن طايع عبد الحميد المجالي يعلّمنا المعرفة وحدها؛ كان يوسّع فينا أفق النظر إلى الإنسان والحياة والوطن.
رحمه الله.
اليوم، لا أستعيد معلّمًا من الماضي فحسب؛ أستعيد صوتًا من طفولتي، وجزءًا من تكويني، ومعنىً ظلّ يكبر معي.
فأجمل ما يتركه المعلم ليس ما يُكتب على السبورة، بل ما يبقى مكتوبًا فينا بعد أن تُمسح السبورة، وتنتهي الحصة، وتمضي الأعوام.
وهذا، في يوم المعلم، أصدق ما يمكن أن يقوله تلميذٌ لمعلّمه:
لم أفهمك يومها كما أفهمك اليوم… لكنني عرفت متأخرًا أن بعض الحصص لا تنتهي أبدًا.