البطالة والمجتمع والذكاء الاصطناعي
سامح المحاريق
06-10-2026 12:10 AM
يحدثني أحد الأصدقاء، من الذين يعملون في موقع متقدم في الإدارة المالية لشركة عربية كبرى، عن اعتماد الشركة الذكاء الاصطناعي لإدارة المشتريات ومتابعتها، وهو الأمر الذي يعني عمليًا أن أكثر من أربعين محاسبًا كانوا يقومون على مهام مثل مضاهاة المشتريات مع العطاءات المطروحة، لن يصبحوا ضروريين بمجرد الانتهاء من مرحلة التجربة التي بدأت فعليًا.
استثمرت الشركة، ذات التواجد الإقليمي، أموالًا طائلة في عملية التحول الرقمي، وسيتمثل العائد في التخلص من تكلفة الكادر البشري الذي كان يقوم بهذه الأعمال.
هذه الحالة ليست منفردة، أو حتى تمثل نزعة للابتكار، بقدر ما هي توجه يتوسع ويتمدد، وستكون له آثاره الواضحة خلال العقد القادم من الزمن.
تذكرت هذه المحادثة وأنا أتابع لقاء وزير الداخلية مازن الفراية مع قناة الجزيرة، والسؤال الأخير حول الملف الأمني أو الداخلي الذي تعتبره الوزارة التحدي الأكبر أمام الأردن؟ وكعادته، يطرح الوزير الإجابة من مدخل استراتيجي وسياسي، ليؤشر للبطالة بوصفها التحدي الأساسي الذي يؤثر في البعد الأمني والاجتماعي.
ظهرت البطالة بوصفها مشكلة بنيوية في الاقتصاد الأردني منذ التسعينيات من القرن الماضي، وحاولت الحكومات المتعاقبة احتواء هذه الظاهرة، إلا أن واقع التحديات الاقتصادية والنمو السكاني وأنماط ثقافة العمل والإنتاج تضافرت بشكل كبير لإبقاء البطالة في مقدمة التحديات التي تواجه الدولة الأردنية.
الأزمة الاقتصادية وراءها جانب اجتماعي أدى إلى أن يصبح الأردن من الدول المستوردة للعمالة من الخارج في العديد من القطاعات، والتحول إلى القطاعات الخدمية لخلق الكتلة التشغيلية للأردن، وهي تنتج أيضًا مشكلة اجتماعية أخرى تتمثل في طاقة هائلة معطلة من الشباب الذين حصلوا على تعليم جيد ورعاية صحية مناسبة، ويتم تبديد إنتاجيتهم المتوقعة في البطالة.
تحدثت كثيرًا أن المشكلة ليست في حيوية المجتمع الأردني من خلال نسبة الشباب المرتفعة، ولكن في جودة الشباب في الأردن. فمعدل العمر أقل في دول مثل زامبيا وأفغانستان، ولكن ذلك لأن الرعاية الصحية غير موجودة أو لفقدان السلم الأهلي، أما في الأردن فالوضع مختلف، لأن الشباب يتمتعون بالجاهزية، والمشكلة أصبحت في التداخل الصعب بين الاجتماعي والاقتصادي، إذ توجد طاقة بشرية كبيرة جاهزة للعمل والإنتاج، ولكن الاقتصاد لا يوفر لها ما يكفي من فرص العمل
من المتوقع أن تتعقد المشكلة في عصر يحصل فيه الذكاء الاصطناعي على أدوار كثيرة داخل بيئات العمل، ويضع الجميع إلى ضرورة العودة إلى القطاعات المنتجة، وهذه ميزة نسبية للأردن مع توفر الشباب المؤهل للإندماج في الأنشطة الإنتاجية، ولكن التساؤل يدور حول تحقيق الزخم اللازم من البنية التحتية والاستثمارية.
فإذا كان الاقتصاد الأردني يعاني أصلًا من صعوبة في توفير فرص العمل للأجيال الشابة، فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئات العمل لا يجعل المشكلة أكثر تعقيدًا فقط، وإنما يطرح سؤالًا مختلفًا حول طبيعة الوظائف التي يستطيع الاقتصاد الأردني أن يوفرها في المستقبل، والقطاعات التي يستطيع أن يوسعها، والاستثمارات التي يحتاجها حتى لا تتحول طاقته البشرية إلى عبء بدل أن تكون مصدرًا للنمو.
وهذا هو السؤال الكبير.
الراي