facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي .. من ضمان الجودة إلى صناعة مستقبل التعليم


أ.د احمد منصور الخصاونة
06-10-2026 09:08 AM

تشهد منظومة التعليم العالي في الأردن مرحلة مختلفة في طبيعة التفكير والعمل، عنوانها الانتقال من إدارة الواقع الأكاديمي إلى الاستعداد للمستقبل وصناعته. وفي قلب هذا التحول تبرز هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها بوصفها إحدى المؤسسات الوطنية الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح التعليم الجامعي، وضبط جودته، وتوجيه الجامعات نحو تخصصات وبرامج أكثر ارتباطًا باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.

وقد حملت زيارة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، قبل عامين تقريبا، إلى الهيئة دلالات تتجاوز إطار الزيارة الرسمية؛ إذ عكست اهتمامًا مباشرًا بمستقبل التعليم العالي، وبضرورة تطوير أدوات الاعتماد وضمان الجودة لتواكب التحولات المتسارعة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. وتزداد أهمية هذه الرؤية مع الدور الذي يقوده سمو ولي العهد من خلال المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، والذي وضع التكنولوجيا والمهارات الرقمية والابتكار في موقع متقدم ضمن أولويات المستقبل الوطني. وهنا يصبح التعليم العالي شريكًا رئيسيًا في هذه الرؤية، لأن الجامعات هي التي تعد الكفاءات القادرة على تحويل التكنولوجيا من أدوات مستوردة إلى معرفة وإبداع ومنتجات وحلول وطنية.

وأكتب عن هذا التحول من واقع تجربة طويلة مع الهيئة، لا من خلال متابعة حديثة لعملها فقط. فقد بدأت العمل والتعامل معها منذ عام 2007، عندما كانت أعمال الاعتماد مرتبطة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وواكبت مسيرتها وتطورها منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، وتعاملت مع مراحل متعددة من أنظمة الاعتماد ومعاييره وإجراءاته. ولذلك أستطيع القول، من خلال هذه التجربة الممتدة لما يقارب عقدين، إن ما نشهده اليوم يمثل تحولًا حقيقيًا في فلسفة العمل وآلياته، وليس مجرد تعديلات إجرائية أو تغيير في النماذج والتعليمات.

فمن يتابع عمل الهيئة خلال المرحلة الأخيرة يلمس اختلافًا واضحًا في فلسفة الاعتماد وآليات تطبيقه؛ إذ لم يعد الاعتماد مجرد عملية إجرائية تنحصر في تدقيق الوثائق، وحساب أعداد أعضاء هيئة التدريس، وقياس المساحات والتجهيزات، والتأكد من توافر المختبرات والمراجع وتحقيق النسب والمعايير الكمية، على أهمية جميع هذه العناصر، بل بدأ يتجه بصورة أعمق نحو جوهر العملية التعليمية ونتائجها الفعلية.

فالسؤال اليوم لم يعد فقط: هل استوفت الجامعة متطلبات الاعتماد؟ بل أصبح: ماذا سيتعلم الطالب فعلًا؟ وما المعارف والمهارات والكفايات التي سيخرج بها بعد أربع سنوات من الدراسة؟ وهل يستطيع توظيف ما تعلمه في معالجة مشكلة حقيقية؟ وهل يمتلك القدرة على التفكير والتحليل والابتكار والعمل ضمن فريق والتواصل الفعال؟ والأهم من ذلك: هل يستطيع هذا الخريج المنافسة في سوق عمل يتغير بوتيرة ربما تكون أسرع من قدرة الخطط الدراسية التقليدية على التغيير؟

وهنا تكمن أهمية التحول من مفهوم الاعتماد القائم على المدخلات إلى مفهوم أكثر شمولًا يقوم على المخرجات والأثر. فوجود مختبر متطور أمر مهم، ولكن الأهم هو ما الذي يستطيع الطالب تنفيذه داخله. ووجود أعضاء هيئة تدريس مؤهلين ضرورة لا غنى عنها، ولكن المعيار الحقيقي يمتد إلى أثر خبراتهم في تعلم الطلبة وبحثهم وابتكارهم. كما أن وجود خطة دراسية متكاملة لا يكفي وحده إذا لم تكن مخرجاتها متوافقة مع المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل والاقتصاد الوطني.

وجامعة المستقبل، من هذا المنظور، لا يمكن تقييمها فقط بعدد القاعات والمختبرات والساعات المعتمدة أو بعدد المقررات التي ينجزها الطالب، وإنما بقدرتها على إحداث قيمة مضافة حقيقية في شخصية الخريج وقدراته. فالخريج الذي يحتاجه المستقبل هو من يمتلك المعرفة، لكنه يمتلك معها القدرة على استخدامها؛ ويتقن تخصصه، لكنه يستطيع العمل عبر التخصصات؛ ويفهم التكنولوجيا، لكنه أيضًا قادر على توظيفها لإيجاد حلول لمشكلات حقيقية.

ويزداد هذا الأمر أهمية في ظل الثورة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة. فنحن أمام وظائف تختفي أو تتغير، ووظائف جديدة تظهر، ومهارات كانت متقدمة قبل سنوات قليلة أصبحت اليوم من المتطلبات الأساسية. ولذلك لم يعد ممكنًا أن تبقى الخطط الدراسية ثابتة لسنوات طويلة بينما يتغير العالم من حولها كل عدة أشهر. المطلوب هو برامج أكاديمية مرنة، قابلة للتحديث المستمر، تتضمن الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والمهارات الرقمية وريادة الأعمال والابتكار، إلى جانب المعرفة التخصصية العميقة.

كما أن مفهوم الجودة نفسه ينبغي أن يتوسع ليشمل ما بعد التخرج؛ فنجاح البرنامج الأكاديمي لا يقاس فقط بنسبة الطلبة الذين اجتازوا مقرراته، وإنما بقدرة خريجيه على الحصول على فرص عمل، والمنافسة محليًا وإقليميًا ودوليًا، والحصول على شهادات مهنية، وإطلاق مشاريع ريادية، والمساهمة في البحث والابتكار، وتقديم حلول ذات قيمة للمجتمع والاقتصاد.

ومن هنا يصبح الاعتماد أداة للتطوير وليس مجرد أداة للرقابة، وتصبح الهيئة شريكًا للجامعة في بناء المستقبل، لا جهة تنتظر منها الجامعة زيارة دورية أو قرارًا بالموافقة.

وهذه في تقديري هي النقلة الأهم: أن ننتقل من ثقافة استيفاء المتطلبات إلى ثقافة تحقيق الأثر، ومن السؤال عن عدد ما نملكه من إمكانات إلى السؤال عن القيمة التي نصنعها بهذه الإمكانات، ومن تخريج حامل للشهادة إلى بناء خريج قادر على صناعة مستقبله والمساهمة في صناعة مستقبل وطنه.

كما أن المرحلة المقبلة تفرض إعادة النظر في مفهوم البرنامج الأكاديمي نفسه. فالتخصصات لم تعد جزرًا منفصلة؛ علم الحاسوب يلتقي مع الأعمال، والذكاء الاصطناعي مع الطب والهندسة، وإنترنت الأشياء مع الزراعة والصناعة والطاقة، والأمن السيبراني أصبح ضرورة لجميع القطاعات. ومن هنا فإن مرونة الهيئة في التعامل مع البرامج البينية والمستحدثة تمثل عنصرًا حاسمًا في قدرة الجامعات الأردنية على مواكبة المستقبل.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في التحول الحالي هو الانتقال من عقلية «هل استوفى البرنامج متطلبات الاعتماد؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «هل هذا البرنامج قادر فعلًا على إعداد خريج للمستقبل؟» . والفرق بين السؤالين كبير؛ فالأول يقيس الالتزام، بينما الثاني يقيس الأثر والقيمة والمستقبل. كما ينبغي أن يتجه مفهوم الجودة بصورة أكبر نحو النتائج: نسب التوظيف، والشهادات المهنية، والمشاريع التطبيقية، والشراكات مع القطاع الصناعي، والبحث العلمي التطبيقي، وريادة الأعمال، والابتكار، ومدى امتلاك الخريجين للمهارات التي يحتاج إليها سوق العمل فعلًا.

إن ما يجري اليوم يضع هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها أمام دور يتجاوز كونها جهة رقابية؛ لتصبح شريكًا استراتيجيًا في تحديث التعليم العالي الأردني. وهذه نقلة مهمة، لأن الرقابة وحدها تحافظ على المستوى القائم، أما الجودة المبنية على الاستشراف والابتكار فتدفع المؤسسات إلى مستوى جديد. ومن واقع تجربتي مع الهيئة منذ عام 2007 وحتى اليوم، أرى أن المرحلة الحالية تحمل روحًا مختلفة؛ روحًا أكثر انفتاحًا على التطوير، وأكثر إدراكًا لسرعة التحولات التكنولوجية، وأكثر ارتباطًا بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغلنا جميعًا أي خريج نريد للأردن خلال السنوات العشر المقبلة؟

واليوم، وبعد سنوات طويلة من العمل والتعامل مع منظومة الاعتماد، أرى أن ما يحدث يستحق التوقف عنده والإشادة به والبناء عليه. فالهيئة التي عرفناها قبل سنوات تتطور اليوم باتجاه مؤسسة أكثر مرونة واستشرافًا للمستقبل، وهذا التحول يجب أن يقابله تحول مماثل داخل جامعاتنا. فالمرحلة المقبلة ليست مرحلة تطوير التعليم العالي فحسب، بل مرحلة إعادة تصميمه بما ينسجم مع أردن المستقبل؛ أردن التكنولوجيا والابتكار والمعرفة، الذي يؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن الطريق إلى المستقبل يبدأ من قاعة الدراسة، لكنه لا ينبغي أن ينتهي عندها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :