وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، انتقاداً لاذعاً للوفود الكثيرة التي سارعت بمغادرة قاعة الاجتماعات عند شروعه في إلقاء كلمته واصفاً إياهم بكونهم "جبناء أخلاقياً"، مؤكدًا على حقيقة أن "الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم"، ونافياً الاتهامات الموجهة لبلاده بارتكاب إبادة جماعية في غزة، مشيراً إلى أنها، على العكس من ذلك، حالت دون وقوع إبادة بحق شعبها وبذلت جهودًا لحماية المدنيين في غزة. كما لم يفوت زعيم الليكود الفرصة للتأكيد على الارتباط التاريخي للشعب اليهودي بأرضه وأن إسرائيل ستواصل الدفاع عن نفسها وستنتصر لأنها "لا تملك خيارًا آخر".
ومع ذلك فإن الاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة اكتسبت زخماً كبيراً لا يمكن إنكاره، فقبل الخطاب بعام خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الصادر في سبتمبر 2025 إلى ارتكاب إسرائيل أربعة أعمال إبادة من أصل خمسة نصت عليها اتفاقية عام 1948، وهي: القتل، إلحاق أذى جسدي أو عقلي خطير، فرض ظروف معيشية مدمرة، ومنع الإنجاب. وأشار التقرير إلى تورط مسؤولين إسرائيليين كبار بالتحريض على ارتكاب هذه الأعمال.
ومن جانب آخر أضاف عرض فيلم "نازا" في مهرجان البندقية السينمائي، قبل عشرة أيام من خطاب نتنياهو، بعداً خطيراً على هذا الاتهام، ففضلاً عن أنه جاء من إخراج إسرائيليين أثنين، فإنه أوضح أن مصطلح "الأضرار الجانبية" الذى تستخدمه إسرائيل في وصف الخسائر البشرية لعملياتها العسكرية، هو مصطلح زائف ويتعارض تماماً مع نصوص اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين لعام 1949 والتي أكدت على عدم جواز مهاجمة أي هدف عسكري إذا كان يتواجد فيه مدنيون إلا بشروط ومبادئ صارمة: مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومبدأ التناسب بمعنى حظر شن أي هجوم إذا كان من المتوقع أن يُسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم أو إضرار بالأعيان تكون مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المرجوة من الهجوم. ومبدأ الاحتياط في الهجوم، ويقصد بذلك أن عملية التخطيط له يجب أن تتخذ كافة الاحتياطيات الممكنة لتجنب إصابة أهداف مدنية. وأخيراً، مبدأ الضرورة العسكرية والإنسانية، حيث لا يجوز استخدام القوة المسلحة إلا لتحقيق الاستسلام الفوري للعدو ومع مراعاة عدم انتهاك القواعد الآمرة لحماية المدنيين.
قدم المندوب الإسرائيلي الدائم لدى الأمم المتحدة، في محاولة للتخفيف من واقعة الخروج الجماعي للوفود من القاعة، تفسيراً مغلوطًا لما وصفه بكونه "صورة زائفة"، فبالنسبة له عادة ما يتواجد ممثل واحد عن كل وفد أثناء خطابات رؤساء الدول، إلا أنه خلال إلقاء نائب رئيس كولومبيا كلمته، والذي أعقبه مباشرة نتنياهو، دخل عدد كبير من أعضاء الوفود إلى القاعة بهدف تنظيم خروج جماعي يتزامن مع توجه المتحدث التالي إلى المنصة في صورة تتناقلها وسائل الإعلام. بيد أن هذا الطرح يتعارض مع ما رصدته الكاميرات من قيام عضو في الوفد الإسرائيلي بتدوين أسماء الوفود المغادرة للقاعة، وفضلاً عن ذلك فإنه لا يتفق مع القواعد التنظيمية للعمل في المنظمة والتي تقضي بأحقية كل دولة عضو في إرسال وفد يضم ممثلين بإجمالي ستة أشخاص، تُخصص المقاعد اللازمة لهم في قاعة الاجتماعات، ويكون لأي وفد أو مجموعة من الوفود الحق في التعبير عن اعتراضهم على كلمة أي متحدث؛ وذلك بالنهوض والمغادرة الجماعية أو الفردية للقاعة دون وجود لقاعدة تقيد حضور الدولة بممثل واحد.
بالإضافة إلى ما تقدم، فتح استخدام رئيس الوزراء الإسرائيلي لوصف "الجبناء أخلاقياً" الباب أمام سلسلة من ردود الأفعال والممارسات لأشكال أخري من الاحتجاج ضخمت من عزلة بلاده. وقد جاء أقوى رد فعل من ذات المنبر على لسان وزيرة خارجية أيسلندا، كاترين غونار سدوتير، والتي لم ينسحب وفد بلادها أثناء إلقاء نتنياهو لكلمته، حيث قالت: "لقد سمعنا من على هذه المنصة عبارة الجبناء أخلاقياً، وبالنسبة لي؛ الجبناء أخلاقياً هم أولئك القادة الذين يمنعون وصول المساعدات الإنسانية إلى أناس في أمس الحاجة إليها، وهم الذين ينتهكون القانون الدولي مرارًا وتكرارًا ويستخفون به، ويرفضون الجلوس والتفاوض من أجل سلام عادل ودائم...". وتلزم الإشارة إلى أن كلمة الوزيرة الأيسلندية حظيت بدعم واسع باعتبارها تمثل الموقف الأخلاقي الواجب تبنيه لحماية المدنيين وإيصال المساعدات لهم. وبالتوازي توالت التصريحات للرد على الاتهامات التي كالها رئيس الوزراء الإسرائيلي لبعض الدول، ومن ذلك وصفه لتركيا بأنها "بؤرة لنشر الأكاذيب المعادية للسامية"، ولرئيسها بأنه "طاغية"، ليرد الرئيس التركي قائلاً إن "مكان المجرمين الذين ارتكبوا جرائم حرب ليس منصة الأمم المتحدة، بل صالات المحاكم التي تحاكمهم على الجرائم التي ارتكبوها"، ومن جانبه صرح مدير الاتصالات في الرئاسة التركية أن استخدام نتنياهو لمنصة الجمعية العامة لتوجيه اتهامات لا أساس لها ضد تركيا ورئيسها يتنافى مع مبادئ السلام والقانون والحوار التي تمثلها الأمم المتحدة.
على صعيد آخر، شهدت شوارع مدينة نيويورك مظاهرات “الصوت اليهودي من أجل السلام" والتي رفعت شعارات منددة بمشاركة نتنياهو في الاجتماعات واصفة إياه بأنه "مطلوب بتهمة الإبادة الجماعية"، وعلى الرغم من وجود أصوات أخري أيدت زعيم الليكود إلا أنه الانقسام المتصاعد داخل المعسكر اليهودي في الولايات المتحدة وانخفاض في نسبة مؤيدي إسرائيل في شريحة الشباب أضحي حقيقة ملموسة.
وختاماً، يمكن القول إنه إذا كان خطاب نتنياهو كان في الأساس موجهاً، على ما يبدو، إلى الداخل الإسرائيلي لكسب معركة انتخابية صعبة من خلال إظهار زعيم الليكود في صورة القائد القادر على مواجهة منتقدي إسرائيل حول العالم، فإن حالة العزلة التي تعاني منها البلاد لم تعد محل شك لدى الإسرائيليين ذاتهم. وحتى إذا ما أفرزت الانتخابات المقبلة حكومة لا تضم الليكود وأحزاب أقصي اليمين فإنه ليس هناك ما يدفع إلى التفاؤل بحدوث تغيير جذري في وضعية العزلة الدولية المتزايدة لإسرائيل طالما استمر الإصرار على رفض حل الدولتين واستمرت الانتهاكات، بأشكالها وصورها المختلفة، في حق الفلسطينيين في القطاع والضفة.