يحملُ أوّلُ الغيثِ إلى الأردنيينَ تباشير وفرحةَ المطر، حيث تستعيدُ الأرضُ رائحتَها، ويستعيدُ الناسُ حديثَهم عن الموسمِ والزرعِ والخير. وتبقى وراءَ هذا الرجاءِ حساباتٌ تجري في خاطرِ المزارعِ وربّةِ البيتِ وصاحبِ الدخلِ المحدود، فالماءُ الذي ينزلُ على الحقولِ سيصلُ أثرُه إلى المائدة، وثمنِ الخضار، وإلى قدرةِ الأسرةِ على تدبيرِ يومِها. هنا يلتقي جمالُ المشهدِ بجدّيةِ السؤالِ عن إدارةِ ما تمنحُه السماءُ، وعن نصيبِ الأرضِ والناسِ من هذا العطاء.
وتأتي قيمةُ المطرِ من القدرة على الاحتفاظِ به، والاستعداد المسبق له، ومن موضعِ الانتفاعِ به. لكلِّ سطحٍ قابلٍ للجمع، ولكلِّ أرضٍ تصلحُ للحصادِ المائي، فرصةٌ تستحقُّ العناية. تتكاملُ الآبارُ المنزليةُ والخزّاناتُ والمصاطبُ الزراعيةُ مع المنشآتِ الكبرى، وتمنحُ القرى والمزارعَ قدرةً أوسعَ على التعاملِ مع الموسم. يحتاجُ ذلك إلى تخطيطٍ يقرأُ تضاريسَ المكان، ويصلُ المعرفةَ الفنيةَ بخبرةِ أهلِه، ويجعلُ الصيانةَ عملاً مستمرّاً طوالَ العام.
تكتسبُ الأرضُ في هذه العلاقةِ عند الأردنيين معنى يتصلُ بالغذاءِ والعملِ والاستقرار. يحملُ الحقلُ تاريخَ عائلةٍ ومعرفةً تراكمتْ في مواقيتِ البذرِ وطبائعِ التربةِ واتجاهاتِ الريح، ويمنحُ القريةَ سبباً للبقاءِ والإنتاج. حينَ تتحوّلُ الأراضي الزراعيةُ إلى امتدادٍ عمراني، يتغيّرُ ميزانُ المكان، وتضيقُ المساحةُ التي تستطيعُ أن تطعمَ الناس. تستحقُّ حمايةُ الأرضِ المنتجةِ حضوراً واضحاً في التخطيط، مع توجيهِ التوسّعِ نحوَ المواقعِ الملائمة، وصونِ التربةِ التي استغرقَ تكوّنُها زمناً طويلاً.
يعملُ المزارعُ عندَ ملتقى عواملَ كثيرة، من الماءِ والطاقةِ والبذارِ إلى النقلِ والسوقِ والتمويل. قد يبدو المحصولُ جيّداً في الحقل، ثم تتآكلُ عائداتُه خلالَ رحلتِه إلى البيع. لذلكَ تحتاجُ الزراعةُ إلى رعايةٍ تصلُ حلقاتِها بعضها ببعض، وتمنحُ المنتجَ قدرةً على تقديرِ الكلفةِ والعائدِ قبلَ الزراعة. يساعدُ الإرشادُ العمليُّ، وتبادلُ المعلوماتِ عن الأسواق، وتنظيمُ الإنتاجِ والتسويق، على تقليلِ الارتباكِ الذي يتركُ المزارعَ معتمداً على توقّعاتٍ متقلّبة.
يرتبطُ حسنُ استخدامِ الماءِ بحسنِ اختيارِ ما نزرعُه، وأينَ نزرعُه، وكيفَ نسقيه. تختلفُ التربةُ والمناخُ والمواردُ بينَ منطقةٍ وأخرى، وتحتاجُ كلُّ منطقةٍ إلى خياراتٍ تناسبُ شروطَها. يمنحُ تطويرُ الريِّ، والعنايةُ بالتربة، واختيارُ الأصنافِ المناسبة، فرصةً لتحسينِ العائدِ من الماء. وتستحقُّ هذه التحوّلاتُ تمويلاً ميسّراً وتدريباً ميدانياً، حتى يستطيعَ المزارعُ تبنّيها بثقة، وتصبحَ المعرفةُ الزراعيةُ جزءاً من عملِه اليوميِّ ومن حساباتِ موسمِه.
يصلُ أثرُ هذه الخياراتِ إلى جيبِ المواطنِ عبرَ سلسلةٍ طويلةٍ من النفقات. تحملُ حبّةُ البندورةِ في سعرِها كلفةَ إنتاجِها وفرزِها وتعبئتِها ونقلِها، وما يطرأُ عليها في الطريقِ من تلفٍ وتأخير. يصبحُ تحسينُ التخزينِ والتبريدِ والنقلِ وتنظيمُ الأسواقِ عملاً يمسُّ معيشةَ الناسِ مباشرة. ويتيحُ وضوحُ الأسعارِ ومساراتِ البيعِ مساحةً أعدلَ للمنتجِ والمستهلك، ويجعلُ الجهدَ المبذولَ في الحقلِ أقربَ إلى العائدِ المستحقِّ، والطعامَ أقربَ إلى قدرةِ الأسرة.
يستحقُّ المواطنُ أن يرى ثمرةَ الإدارةِ الجيّدةِ في تفاصيلِ حياتِه، في انتظامِ وصولِ الماء، وفي فاتورةٍ معتدلة، وخدمةٍ تستجيبُ للعطل، وسوقٍ يمكنُ الوثوقُ به. تتكوّنُ الثقةُ من هذه التفاصيلِ المتكرّرة، وتكبرُ حينَ يشعرُ الناسُ بأنّ مالَهم ووقتَهم موضعُ احترام. ولنعلم أن لكلِّ تسربٍ يُصلَحُ، وإجراءٍ يُيسَّرُ، ومعلومةٍ تصلُ في وقتِها، أثرٌ يربطُ الحديثَ العامَّ عن المواردِ بتجربةِ المواطنِ الفعليةِ معها.
تبدأُ المشاركةُ المجتمعيةُ من معرفةِ قيمةِ الماءِ في البيتِ والمدرسةِ والمزرعة، ومن تحويلِ هذه المعرفةِ إلى عاداتٍ قابلةٍ للاستمرار. يساعدُ إصلاحُ التسرباتِ، والعنايةُ بالخزّانات، والريُّ في الأوقاتِ المناسبة، على حفظِ المورد. تحتاجُ هذه الممارساتُ إلى خدماتٍ وأدواتٍ متاحة، وإلى خطابٍ يحترمُ ظروفَ الناسِ وقدرتَهم على التغيير. تتعزّزُ المسؤوليةُ المشتركةُ حينَ يلمسُ المواطنُ عنايةَ المؤسسةِ بالمورد، ويجدُ أمامَه سبيلاً واضحاً للمساهمةِ في حفظِه.
يجمعُ مربطُ الفرسِ هذه الخيوطَ في غايةٍ واحدة، أن تتحوّلَ المواردُ المتاحةُ إلى منفعةٍ أوسعَ وأبقى. تحتاجُ مياهُنا وأرضُنا وزراعتُنا إلى استمراريةٍ في القرار، وإلى تنسيقٍ يجعلُ كلَّ جهدٍ مكمّلاً للآخر، وإلى متابعةٍ تقيسُ النتائجَ في الحقلِ والبيتِ والسوق. ويمنحُ إشراكُ أهلِ المناطقِ والمنتجينَ في تحديدِ الأولوياتِ هذه الجهودَ معرفةً أدقَّ بالحاجات، ويربطُ الإنفاقَ العامَّ بما يستطيعُ أن يحقّقَه من أثرٍ ملموسٍ ومستمر.
يبقى أوّلُ الغيثِ وعداً جميلاً، وتمنحُه العنايةُ بالأرضِ والماء فرصتَه كي يثمر. ينضجُ هذا الوعدُ في موسمٍ يستطيعُ المزارعُ أن يطمئنَّ إلى جدواه، وغذاءٍ جيّدٍ تقدرُ الأسرةُ على شرائِه، وموردٍ نحفظُ منه حصةً للقادمين. عندَ ذلكَ تصبحُ فرحةُ المطرِ ممتدّةً في حياةِ الناس، ويأخذُ الخيرُ طريقَه من الغيمةِ إلى الحقل، والمائدة، وطمأنينةِ البيت.