facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"الذهب" .. تصحيح مؤقت ام بداية انعكاس؟!


لما جمال العبسه
06-10-2026 01:22 PM

لم يكن تراجع الذهب خلال الأيام الماضية حدثاً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة طبيعية لتراكم عدة عوامل مالية دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم قصيرة الأجل، وفي مقدمتها عودة أسعار الفائدة العالمية إلى الارتفاع واستمرار السياسة النقدية العالمية في التأثر بالتشدد الذي يقوده الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لمواجهة الضغوط التضخمية، فمع كل ارتفاع في أسعار الفائدة ترتفع جاذبية السندات وأدوات الدخل الثابت، بينما تتراجع جاذبية الذهب بوصفه أصلاً لا يدر عائداً، ومن هنا جاء الضغط المباشر على المعدن الأصفر، خصوصاً بعد الموجة الصعودية التاريخية التي شهدها خلال عامي 2025-2026 والتي دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.

غير أن قراءة حركة الذهب من زاوية أسعار الفائدة فقط قد تقود إلى استنتاجات مضللة، لأن السوق العالمية لم تعد تعمل وفق المعادلات التقليدية ذاتها التي حكمتها لعقود طويلة، فالذهب اليوم لا يتحرك باعتباره أداة تحوط ضد التضخم فحسب، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل أوسع للنظام المالي العالمي، ويدعم هذا التحول حقيقة أن حصة الذهب من الاحتياطيات الرسمية العالمية ارتفعت من نحو 14% العام 2023 إلى قرابة 25% حالياً، وهو ما يعكس تغيراً هيكلياً في فلسفة إدارة الاحتياطيات الدولية ، وهو سلوك يصعب تفسيره بمنطق الاستثمار قصير الأجل، لكنه يصبح أكثر وضوحاً عندما ننظر إليه من منظور الأمن المالي والسيادة النقدية.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا يتمثل في أسباب التراجع الحالي، بل في مدى قدرته على الاستمرار حتى نهاية العام. وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى القوى الأساسية التي صنعت الاتجاه الصاعد للذهب في الأصل، فعندما بدأت البنوك المركزية حول العالم زيادة مشترياتها من المعدن النفيس لم يكن الدافع تحقيق أرباح مضاربية، بل بناء احتياطيات أقل عرضة للمخاطر السياسية والمالية. وقد أدى تصاعد استخدام العقوبات الاقتصادية وتجميد الأصول الأجنبية إلى دفع العديد من الدول نحو إعطاء الذهب دوراً أكبر داخل محافظها الاحتياطية، باعتباره أصلاً لا يرتبط بالتزامات جهة مصدرة ولا يمكن تجميده بالطريقة التي يمكن بها تجميد الأصول المالية الأخرى.

في الوقت نفسه، لا تزال الديون السيادية العالمية عند مستويات مرتفعة للغاية، بل إن العديد من الاقتصادات الكبرى تواجه تحدياً متزايداً في تمويل عجوزاتها المالية، وهنا تظهر مفارقة مهمة فارتفاع أسعار الفائدة الذي يضغط على الذهب حالياً هو نفسه أحد أعراض المشكلة المالية العالمية، فكلما ارتفعت الفائدة ارتفعت كلفة خدمة الدين العام، وكلما ارتفعت كلفة خدمة الدين زادت المخاوف بشأن الاستدامة المالية طويلة الأجل، ولهذا فإن العامل الذي يضغط على الذهب في المدى القصير قد يتحول إلى عامل داعم له في المدى المتوسط والطويل.

إلى جانب ذلك، لم يطرأ أي تغيير جوهري على البيئة الجيوسياسية العالمية، فالتوترات بين القوى الكبرى ما زالت قائمة، والتنافس الاقتصادي والتكنولوجي يتوسع، وأسواق الطاقة لا تزال عرضة للتقلبات، فيما تواصل التوترات الدولية فرض حالة من عدم اليقين على الاقتصاد العالمي، وفي مثل هذه الظروف لا يتخلى المستثمرون ولا البنوك المركزية بسهولة عن الذهب، وغالباً ما تتحول فترات التراجع إلى فرص لبناء مراكز جديدة.

وإذا انتقلنا إلى الجانب السلوكي في الأسواق، سنجد أن جزءاً مهماً من الهبوط الأخير لاسعار الذهب يرتبط بجني الأرباح بعد المكاسب الاستثنائية التي حققها الذهب. فمن الطبيعي أن تشهد أي موجة صعود قوية فترات من التهدئة والتصحيح، خاصة عندما تتزامن مع تغيرات في توقعات الفائدة أو ارتفاع مؤقت في قيمة الدولار وعوائد السندات، غير أن التصحيح يختلف عن الانعكاس الكامل للاتجاه، فالتصحيح يحدث داخل إطار الاتجاه الرئيسي، أما الانعكاس فيتطلب تغيراً جذرياً في العوامل التي صنعت ذلك الاتجاه.

حتى الآن لا تبدو هذه العوامل قد تغيرت، فمشتريات البنوك المركزية ما تزال مستمرة، والديون السيادية لم تنخفض، والمخاطر الجيوسياسية لم تتراجع بصورة تسمح بإلغاء الحاجة إلى الملاذات الآمنة، كما أن التضخم وإن انخفض في بعض الاقتصادات فإنه لم يُهزم نهائياً بعد، ولهذا فإن الحديث عن نهاية الدورة الصاعدة للذهب يبدو سابقاً لأوانه.

الأقرب إلى المنطق الاقتصادي أن ما نشهده حالياً في اسواق المعادن هو مرحلة إعادة توازن فرضتها أسعار الفائدة المرتفعة أكثر مما هو تحول استراتيجي في اتجاه السوق، وقد تستمر هذه الضغوط لبعض الوقت إذا واصلت البنوك المركزية تشديد سياساتها النقدية، إلا أن استدامة الهبوط حتى نهاية العام تتطلب تحقق مجموعة من الشروط الصعبة في آن واحد وتتمثل في انخفاض واضح للتضخم، وتراجع المخاطر الجيوسياسية، وتحسن أوضاع المالية العامة عالمياً، وتوقف البنوك المركزية عن تعزيز احتياطياتها الذهبية، وحتى هذه اللحظة لا توجد مؤشرات قوية على تحقق هذه الشروط مجتمعة.

وبناءً على ذلك يمكن القول إن التراجع الأخير في سعر المعدن النفيس يبدو أقرب إلى حركة تصحيحية داخل اتجاه طويل الأجل ما زالت أسسه قائمة، وليس بداية دورة هبوط طويلة الأمد، فالعوامل التي دفعت اسعاره إلى قمم تاريخية لم تختفِ بعد، بل لا يزال معظمها حاضراً وربما أكثر تأثيراً مما كان عليه في السابق، ولهذا فإن الرهان على ضعف دائم للذهب بسبب ارتفاع الفائدة وحده قد يكون تبسيطاً مفرطاً لمشهد عالمي بات أكثر تعقيداً، وأصبح الذهب فيه يعكس ليس فقط توقعات العائد والاستثمار، بل أيضاً حجم القلق المتصاعد بشأن مستقبل النظام المالي والاقتصادي العالمي نفسه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :