facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عمّان في السبعينيات والثمانينيات: ذاكرة مدينة لا تشيخ


د.عبدالفتاح طوقان
06-10-2026 01:31 PM

كانت عمّان في السبعينيات والثمانينيات مدينةً مختلفة؛ بسيطة في مظهرها، عميقة في روحها، ودافئة بعلاقات أهلها. كانت جبالها السبعة تمنحها هيبة خاصة، وهواؤها النقي يملأ الصدر راحة، فيما تتوزع البيوت على السفوح وبينها الأدراج التي تصل جبل الحسين بجبل عمّان، وتحمل على حجارتها خطى الناس وذكرياتهم.

كانت منطقة سقف السيل جزءاً من ملامح المدينة القديمة، بما فيها من حركة وأسواق ووجوه مألوفة. وكان مستشفى ملحس في الدوار الأول بجبل عمّان، إلى جانب المستشفى الإيطالي ومستشفى المعشر في جبل الحسين، من المعالم التي ارتبطت بذاكرة أهل العاصمة وخدماتها الصحية. ثم جاءت مشاريع التطوير لتمنح المدينة مساحات أوسع وحركة أكثر نشاطاً، فتم تعبيد وافتتاح شارع وصفي التل وشارع مكة، كما أُنشئت الخدمات الطبية الملكية لتصبح صرحاً وطنياً مهماً.

وكانت وسط عمّان قلباً تجارياً نابضاً، يجد فيه الناس كل ما يحتاجونه تقريباً. وكان فندق فيلادلفيا، بجانب المدرج الروماني، من أهم الفنادق السياحية ذات الطابع الخاص، بما يذكّر بعظمة المدينة وتاريخها، إلى جانب فندق هوليداي إن الذي كان معلماً بارزاً في العاصمة.

وفي أسواق وسط البلد، كانت محلات الصرافة، مثل السادات والكباريتي ورزق، تستقبل الناس، فيما اشتهرت محلات الذهب أبو لغد وسكجها والعقايلة. وكان صالون شقير من الأسماء المعروفة، كما بقيت عمارة عاكف الفايز بجانب بنك القاهرة علامة مميزة في المشهد العمراني والتجاري.

وكانت قهوة ومحمصة عابدين تبيع القهوة و المكسرات في الحسين بجانب مخفر الحسين ، وكان هناك مكاناً للقاء وتبادل الأخبار في وسط البلد يطلق عليه قهوة السنترال الذي كان حلقة الوصل بين الناس وأقاربهم في المدن والبلدان البعيدة ولعب الورق وطاوله الزهر . أما سوق منكو وسوق البخاري، وأجواخ المعشر، فكانت تعج بالحركة، وبجانبها محلات أبو لبن، ثم محلات بيبي للأحذية وباتا، ومحلات ساعات رادو وسيكو. وفي الجهة الأخرى، كانت محلات صبحا للأقمشة تقدم للناس ما يحتاجونه من الأقمشة والملابس، ومحلات السردي وفريج فتبدو الأسواق وكأنها مدينة صغيرة مكتفية بكل احتياجات الحياة.

وأمام البريد كان يوجد محل متخصص في نكاشات البابور، وهي أداة كانت أغلب الأسر تستخدمها في ذلك الوقت لتنظيف و تسليك البابور الذي كان يستخدم للتسخين ووضع تنكه الغسيل و الزهرة الزرقاء قبل انتشار الأفران الحديثة و الداوني و مبيض الغسيل . وبجانب البريد كانت محلات مرار لأدوات البناء، لتكتمل صورة وسط العاصمة كمكان مناسب للتسوق، يجد فيه الناس حاجاتهم اليومية والمنزلية والمهنية في مسافة قريبة.

وكانت مطاعم عمّان جزءاً من ذاكرتها اليومية؛ مطاعم الأوتوماتيك، وأبو أحمد، والبستان، والقدس، وغيرها من الأماكن التي قصدها الناس للقاء وتناول الطعام. كما ارتبطت محال وملحمات مثل ملحمة عالية والنابلسي بمائدة الأسرة الأردنية، فيما ظل فول هاشم حاضراً في ذاكرة الباحثين عن طبق فول أو حمص في صباحات الجمعة.

وكانت وسط البلد نابضة بالحياة. بعد صلاة الجمعة في مسجد الحسين، كانت العائلات تتجول بين الأسواق، وربما تتوقف عند كنافة حبيبة النابلسية بجانب البنك العربي. وكانت سينما الحسين وجهة محبوبة، ينتظر الناس عروضها، بينما بقيت شركة زعترة للسياحة من الأماكن التي ارتبطت بالسفر خارج البلاد والتنزه واكتشاف جمال الأردن. وفي ايام الاحد نجد اكثرية مسيحية اهل عمان بملابسهم الأنيقة و جمال طبيعة مظهرهم وحسن محياهم في كنيستي اللويبده و الصويفية يملأون المكان بمشاعر الزهو و الحب و التألق. ولطالما ذهبت مع اصدقائي الي قداس الاحد و الذي كان رساله تطمين للقلوب و لراحة النفس . اما النادي الارذوكسي فقد كان له الكثير من اضافة الثقافة و الحضارة و الحفلات الموسيقية والراقصة و المسبح والاجتماعيات التى لا تنسى .

وفي تلك السنوات، كان فندق الأردن إنتركونتيننتال معلماً بارزاً من معالم العاصمة، امام السفارة المصرية وعمارة ظبيان ، كان الفندق الكبير تقام به الأعراس وبمبناه ومسبحه الكبير ترك انطباعاً خاصاً لدى الناس.

كما كانت المدينة الرياضية، التي كانت آنذاك ضمن الإنشاء، تبشر بمرحلة جديدة من النشاط الرياضي والعمراني. ومن الذكريات المرتبطة بها معرفة المقدم تحسين شردم، الذي كان يشرف على إقامتها، ثم عصام عريضة، مدير مكتب وصفي التل، الذي أصبح مديراً لها.

وكانت عمّان تعيش شتاءها بكل تفاصيله. حين تهطل الأمطار وتتساقط الثلوج أحياناً، تجتمع العائلة حول صوبة علاء الدين، يتصاعد دفؤها في أرجاء البيت، وتدور أكواب الشاي بالميرمية بين الجالسين. كان ذلك الدفء يتجاوز حرارة الصوبة؛ فقد كان دفء العائلة والحديث والطمأنينة.

وكانت الصحافة جزءاً من الحياة اليومية. تصل جريدتا «الدستور» و«الرأي» إلى البيوت، فيقرأها الأب أو الجد، ويتابع الناس أخبار الوطن والعالم. وكانت مبانيها في الطريق الي الجامعة حيث لم يكن هناك أبنية ويصعب الوصول لهما .

وفي الصباح، كانت برامج الإذاعة ترافق البيوت قبل ذهاب الموظفين والطلاب إلى أعمالهم ومدارسهم.

أما التلفزيون الأبيض والأسود، فكان نافذة الأسرة على العالم. كان الجميع يلتفون حوله لمتابعة فيلم يوم الجمعة، في موعد ينتظره الصغار والكبار. وتحمل الذاكرة أيضاً لحظات شخصية جميلة، حين كنت اذهب إلى مبنى التلفزيون برفقة رافع شاهين وصالح الخطيب؛ وكنت اضع الاسئلة لحلقات يتم تسجيلها كمسابقات بين المدارس وتعرفت على الصديق زياد فريز ورايت العملاق الاعلامي الكبير محمد كمال مدير الاذاعه و التلفزيون وهي تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في وجداني ووجدان كل من عاشها.

وكانت تاكسيات السرفيس تجوب الشوارع، تجمع الركاب من الأحياء وتوصلهم إلى وجهاتهم من وسط البلد إلي قمة الجبل وسط أحاديث عابرة ووجوه مألوفة.

وفي الطريق، كانت عمّان تكبر أمام العين؛ ويزداد حبها و عشقي لها في قلبي ، شوارع جديدة، أبنية تتسع، ومرافق تتقدم، فيما بقيت روح المدينة قريبة من الناس ومني مما دفعني للترشح نائبا في مجلس النواب عن دائرتها الثالثة خصوصا واني من ابنائها الغيورين عليها و من مواليد جبل عمان في عمارة السكان امام المحكمة الشرعية و كنا جيران لال الترك و بدير و منكو .

ومن علامات النهضة التعليمية الجامعة الأردنية، التي أصبحت منارة للعلم والثقافة.

وكانت مكتبة الاستقلال في وسط البلد بجانب صيدليتي الشخشير و جردانة محطة أساسية للطلاب والأهالي، يقصدونها لشراء الكتب والدفاتر والأقلام وأدوات المدرسة، فتفوح منها رائحة الورق والحبر وتبدأ منها حكايات عام دراسي جديد.

وكانت الأعياد الوطنية، وعيد الأضحى، والعيد الصغير، تضفي على المدينة أجواء استثنائية. تزدحم الأسواق، وتُشترى الملابس الجديدة، وتتعالى أصوات التهاني، وتفتح البيوت أبوابها للضيوف.

كانت صلة الرحم واجباً وفرحاً في الوقت نفسه، وكانت الجيرة أكثر حضوراً، والناس يعرف بعضهم بعضاً ويتفقدون الغائب ويسألون عن المريض.

عمّان تلك لم تكن مجرد شوارع ومبانٍ؛ كانت عائلة كبيرة وذاكرة مشتركة ومدينة تنمو دون أن تفقد بساطتها.

في جبالها وأدراجها، في سقف السيل ووسط البلد، في مسجد الحسين والجامعة الأردنية، في فنادقها وأسواقها ومطاعمها، في صوبة علاء الدين وصوت الإذاعة، وفي صحف الصباح ورائحة الزعتر والكنافة، ومع أغاني فرقة بندلي وتمثيليات نبيل و هشام وأمل الدباس بقيت تفاصيلها حيّة في وجدان من عاشها.

لذلك تظل عمّان السبعينيات والثمانينيات حاضرة في الذاكرة؛ مدينة كان هواؤها أنقى، وشتاؤها أدفأ، وشوارعها أقرب إلى القلب، وكانت الحياة فيها، رغم بساطتها، أكثر امتلاءً بالمحبة والتواصل والانتماء.

عمان عاصمة القلب والوطن الذي نحب ونبض حياة كل من ولد وعاش و سكن ومر بها ، مدينة فتية لا تشيخ .

aftoukan@yahoo.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :