facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الجامعات مختبرات للوعي السياسي .. من الرؤية الملكية إلى الممارسة


د. سمر الشديفات
06-10-2026 03:25 PM

حين يعهد الملك عبدالله الثاني إلى اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية بمهمتها، فإنه لا يكتفي بالحديث عن قوانين تُعدّل ونصوص تُصاغ، بل يحدد غاية أبعد، هي (تهيئة البيئة التشريعية والسياسية الضامنة لدور الشباب والمرأة في الحياة العامة)، كما ورد في الرسالة الملكية إلى رئيس اللجنة سمير الرفاعي في حزيران 2021.

وبهذه العبارة وُضع الشباب في قلب مشروع الإصلاح، وصار السؤال المطروح على المؤسسات الوطنية: من يهيّئ هؤلاء الشباب لتحمّل هذه المسؤولية؟ والجواب الأقرب إلى المنطق أن الجامعات هي المؤسسة الأولى المعنية بذلك.

فالجامعة في جوهرها أوسع من قاعات المحاضرات. هي المكان الذي يغادر فيه الشاب دائرة الأسرة والمدرسة، ويلتقي بأقرانه من مختلف البيئات والاتجاهات، ويختبر لأول مرة معنى الاختلاف والحوار وتحمّل نتائج الاختيار. ومن هنا تأتي قدرتها على تحويل الحق الدستوري في المشاركة السياسية من نص يُحفظ إلى سلوك يُمارَس. وهذا ما استوعبه جلالة الملك حين التقى رؤساء الجامعات الرسمية، مشدداً على (ضرورة العمل بشكل مؤسسي؛ لمنع وضع أي حواجز أمام الشباب في المشاركة بالحياة السياسية)، والتوجيه هنا يحمّل الجامعات مسؤولية تتجاوز التشجيع إلى إزالة العقبات وبناء المسارات.

ولم تأتِ هذه الدعوة من فراغ، فقد تُرجمت الرؤية الملكية إلى منظومة تشريعية جديدة. خُفّض سن الترشح لمجلس النواب إلى 25 عاماً، وأُتيح للشباب الانتساب إلى الأحزاب ابتداءً من الثامنة عشرة، وأُفسح المجال للعمل الحزبي داخل الحرم الجامعي، كما اشترط قانون الأحزاب حضوراً شبابياً بنسبة 20% في الأحزاب.

وهذه الأرقام تعني أن الدولة فتحت الباب فعلاً، وأن الجامعات مطالبة بأن تكون الجسر الذي يعبر منه الطالب إلى المشاركة، بتعريفه بحقوقه وواجباته، وبالقوانين الناظمة للانتخاب والأحزاب، وبما يترتب على الانتماء الحزبي من التزام ومساءلة.

وقد عبّر جلالة الملك عن جوهر هذه الفرصة في خطابه بمناسبة عيد الاستقلال عام 2022، حين قال إن منظومة التحديث السياسي (توفر لشبابنا فرصة للمشاركة في بناء الحياة الحزبية والمشاركة السياسية، متجاوزين مخاوف الماضي، في ظل تشريعات تصون حقوقهم، وتعبّد الطريق أمامهم لصنع التغيير".

وعبارة "متجاوزين مخاوف الماضي) تحمل رسالة مباشرة إلى الجامعات، فعليها أن تهيئ بيئة آمنة تتسع للرأي المختلف، وتُشعر الطالب بأن مشاركته مصونة بالقانون ومحمية بالمؤسسة، وأن الانخراط في الشأن العام حق لا يستدعي الخوف ولا يستوجب الحذر.

غير أن الحق وحده لا يصنع مشاركة فاعلة. فالرؤية الملكية تربط التمكين بالوعي والمسؤولية. وقد أكد جلالته في حديثه لصحيفة (الرأي) أن (الأبواب مفتوحة أمام الشباب لقيادة مسيرة التحديث)، لكنه نبّههم إلى ألا ينجرّوا خلف الشعارات الشعبوية، وأن ينخرطوا في البرامج الواقعية والقابلة للتطبيق.

وهنا يبرز الدور الأعمق للجامعة، وهو تعليم الطالب التفكير النقدي، وتمييز البرنامج الجاد من الشعار البراق، وقراءة الخطاب السياسي بعين فاحصة وماحصة. فالشباب الذي يتسلح بالمعرفة يشارك عن قناعة، ويحاسب ويُحاسَب، ولا ينقاد خلف موجة عابرة.

وفي هذا السياق، تقدم الجامعة الهاشمية نموذجاً عملياً لدور الجامعات في تحويل مسار التحديث السياسي من رؤية وطنية إلى ممارسة طلابية واعية، إذ لم تقتصر جهودها على التوعية النظرية، بل عملت على توفير بيئة جامعية تتيح للطلبة ممارسة الحوار والانتخاب والعمل الجماعي والمشاركة في الشأن العام ضمن إطار القانون.

وقد تجسد ذلك في تنظيم انتخابات الأندية الطلابية بوصفها مساحة تدريبية على الممارسة الديمقراطية، إلى جانب عقد ندوات وبرامج بالتعاون مع الهيئة المستقلة للانتخاب والمركز الوطني لحقوق الإنسان للتعريف بالحقوق السياسية والتشريعات الناظمة للمشاركة.

وتوجت الجامعة هذا المسار في آب 2026 بعقد المؤتمر الطلابي الأول حول (ممارسة الأنشطة الحزبية في الجامعات: الواقع، التحديات، والآفاق)، بمشاركة رسمية وأكاديمية وطلابية وحزبية، ليفتح نقاشاً مباشراً حول العمل الحزبي الطلابي وصناعة القيادات الشابة وثقافة الحوار وقبول الاختلاف.

وتؤكد هذه التجربة أن الجامعة الهاشمية تنظر إلى الطالب بوصفه مواطناً قادراً على صناعة القرار لا متلقياً للمعرفة فقط، وأن بناء الشخصية السياسية الواعية يبدأ من إتاحة المجال أمام الشباب للتجربة والمناقشة والاختيار وتحمل المسؤولية، في بيئة جامعية آمنة تحترم التعدد وسيادة القانون. وهو بالضبط المعنى العملي لفكرة أن تكون الجامعات مختبرات للوعي السياسي، ومقدمة طبيعية لجيل جديد يدخل الحياة العامة بالمعرفة والثقة والمسؤولية.

ولتحقيق ذلك، تحتاج الجامعات إلى ترجمة عملية تشمل مساقات في التربية الوطنية والمواطنة الفاعلة، وأندية ومجالس طلابية تتيح التدرب على الانتخاب والعمل الجماعي، وحوارات منتظمة بين الطلبة والأحزاب وصنّاع القرار والخبراء، وشراكات مع المؤسسات المعنية بالتثقيف السياسي والحزبي.

فالتجربة العملية داخل أسوار الجامعة هي التي تصنع المواطن القادر على المشاركة خارجها.

إن ما يُطلب من الجامعات اليوم شراكة حقيقية في مشروع وطني يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني، ويراهن فيه جلالته وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، على وعي الشباب وقدرتهم على حمل مسؤولية المستقبل والمشاركة في صناعة القرار الوطني.

وقد أكد جلالته أن الأردن الجديد هو للأجيال الشابة، فيما يولي سمو ولي العهد الشباب اهتماما واضحا، انطلاقا من الإيمان بقدرتهم على الإسهام في مسيرة التحديث وبناء المستقبل.

وهذا الرهان يضع أمام الجامعات التزاما واضحا بأن تخرّج مواطنين يعرفون حقوقهم، ويؤدون واجباتهم، ويمتلكون القدرة على الحوار والاختيار وتحمل المسؤولية، فإذا نجحت الجامعات في أداء هذا الدور، تحولت الرؤية الملكية إلى ممارسة حية، وأصبح الشباب فاعلين في الحياة السياسية لا متفرجين عليها، وشركاء حقيقيين في صناعة مستقبل الأردن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :