عندما يصبح الاستحقاق عبئًا: الوجه الآخر للشعور بالحق
د. صائب الخصاونة
05-10-2026 04:34 PM
أخطر ما بدأ يتسلل إلى عقلية جيلنا، وخصوصًا الشباب، هو عقلية الاستحقاق.
يعيش كثيرون وهم يعتقدون أنهم يستحقون الرعاية من أسرهم، ومن دولتهم، ومن حكومتهم. يستحقون الوظيفة، والراتب، والدعم، والدراسة المجانية، والإعانة، وحتى أن يجدوا من يفتح لهم الطريق ويضمن لهم المستقبل.
المشكلة ليست في أن نطالب بحقوقنا؛ المشكلة أن يتحول الحق إلى اتكالية، والاستحقاق إلى عقلية حياة.
والأخطر أن منظومتنا التعليمية نفسها قد تكون جزءًا من المشكلة. فنحن نُعلّم أبناءنا كيف يحصلون على وظيفة، أكثر مما نعلّمهم كيف يصنعون قيمة. نسأل الطالب: ماذا ستعمل عندما تتخرج؟ ولا نسأله بالقدر نفسه: ماذا ستبتكر؟ ماذا ستنتج؟ ما المشكلة التي ستساعد في حلها؟ وما القيمة التي ستضيفها إلى هذا العالم؟
نحن، في كثير من الأحيان، لا نُخرّج مبتكرين بقدر ما نُخرّج باحثين عن وظائف.
وهنا تكمن الخطورة.
فالدولة الحديثة لم تعد قادرة على أن تكون أبًا وأمًا ورب عملٍ وضامنًا اجتماعيًا لكل مواطنيها. زمن الدولة التي تستطيع أن توظف الجميع، وتدفع للجميع، وتدعم الجميع، وتوفر كل شيء للجميع، يتراجع في كل مكان.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، وعلى حكوماتنا، وعلى مدارسنا وجامعاتنا، ليس: كيف نوفر للشباب ما يستحقونه؟
بل: كيف نربي جيلاً قادرًا على أن يصنع ما يحتاجه؟
نحتاج جيلاً ينتج المعرفة بدل أن ينتظرها، ويبتكر الحلول بدل أن ينتظر من يحل مشكلاته، ويصنع الثروة بدل أن يبحث عمّن يمنحه المال.
المستقبل لن يكون لمن ينتظر دوره في قائمة الاستحقاق، بل لمن يصنع لنفسه ولغيره قيمة حقيقية.
هذه ليست دعوة للتخلي عن دور الدولة أو عن العدالة الاجتماعية، بل دعوة إلى إعادة تعريف دور التعليم ودور الحكومة ودور الفرد.
فالدولة القوية لا تصنع مواطنًا ينتظر أن تعطيه.
الدولة القوية تصنع مواطنًا يستطيع أن يعطي.