التحديث الاقتصادي .. المشكلة ليست في عدد المشاريع بل في أثرها
أ.د تركي الفواز
06-10-2026 10:04 PM
تكشف الأرقام التي أوردها تقرير «راصد» حول تنفيذ أولويات رؤية التحديث الاقتصادي أن المشكلة الأساسية لم تعد في غياب الخطط أو نقص المشاريع، بل في القدرة على تحويل ما هو «قيد التنفيذ» إلى نتائج اقتصادية فعلية، فقد قيّم 56% من النواب أداء الحكومة في تنفيذ أولويات الرؤية ضمن المستويات التي تتراوح بين المتوسط والمرتفع جداً، في حين أظهر التقرير أن 17 مشروعاً فقط من أصل 85 مشروعاً مخططاً لها خلال عام 2026 قد أُنجزت، أي ما نسبته 20%، بينما بقي 56 مشروعاً، أو 65.9%، قيد التنفيذ، وتأخر 9 مشاريع بنسبة 10.6%، في حين لم يبدأ تنفيذ 3 مشاريع بنسبة 3.5%.، المشهد إذن ليس سلبياً بالكامل، لكنه ليس مطمئناً بالقدر الذي قد توحي به كثرة المشاريع المفتوحة، وجود ثلثي المشاريع تقريباً في مرحلة التنفيذ يعكس نشاطاً حكومياً واضحاً، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: إلى أي مدى اقتربت هذه المشاريع من الإنجاز؟ فهناك فرق كبير بين مشروع أنجز 90% من مراحله وآخر لا يزال عند 10%، ومع ذلك قد يوضع الاثنان في الخانة نفسها: «قيد التنفيذ». وهنا تصبح الأرقام العامة غير كافية ما لم تقترن بتفاصيل تسمح بقياس التقدم الحقيقي.
ما يحتاجه الاقتصاد الأردني اليوم ليس مزيداً من العناوين والمبادرات، بل سرعة أكبر في تحويلها إلى إنجازات ملموسة، فالمواطن لا يقيس نجاح التحديث الاقتصادي بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بما إذا كانت هذه المشاريع قد وفرت فرص عمل، ورفعت الدخل، وخففت الضغط على كلفة المعيشة، وحسنت مستوى الخدمات، والمستثمر لا يهمه عدد القرارات بقدر ما يهمه استقرار البيئة التشريعية، وسرعة الإجراءات، ووضوح السياسات، وتكلفة ممارسة الأعمال، ولهذا فإن نسبة الإنجاز البالغة 20% يجب ألا تقرأ باعتبارها دليلاً قاطعاً على ضعف التنفيذ، لأن بعض المشاريع قد تكون متعددة السنوات أو مصممة أصلاً للتنفيذ المرحلي، لكنها في الوقت نفسه تفرض سؤالاً مشروعاً: هل يسير التنفيذ بالسرعة المطلوبة؟ وهل تستطيع الحكومة خلال ما تبقى من العام رفع نسبة المشاريع المكتملة بصورة واضحة؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فإن المطلوب أن ينعكس ذلك في بيانات دورية شفافة توضح نسبة الإنجاز الفعلية لكل مشروع، لا الاكتفاء بتصنيفه ضمن قيد التنفيذ، أما المشاريع المتأخرة، فالمطلوب بشأنها يتجاوز مجرد الإشارة إلى عددها، فوجود 9 مشاريع متأخرة يعني أن هناك نقاط اختناق يجب تحديدها: هل السبب تمويلي؟ أم إداري؟ أم تشريعي؟ أم مرتبط بالعطاءات أو التنسيق بين المؤسسات؟ فالتأخير الذي لا يُشخَّص يتحول مع الوقت من مشكلة تنفيذية إلى كلفة اقتصادية، وقد يؤدي إلى تآكل أثر المشروع قبل اكتماله.
والأمر ذاته ينطبق على المشاريع الثلاثة التي لم يبدأ تنفيذها، العدد محدود، لكن السؤال مبدئي: لماذا لم تبدأ؟ وهل ما تزال هذه المشاريع ذات أولوية؟ أم أن الظروف الاقتصادية تغيرت وأصبح من الأجدى إعادة ترتيب الأولويات؟ فالإدارة الاقتصادية الجيدة لا تعني الإصرار على تنفيذ كل ما هو مخطط لمجرد أنه ورد في وثيقة سابقة، بل تعني أيضاً القدرة على إعادة التقييم عندما تتغير المعطيات، المطلوب في المرحلة المقبلة هو الانتقال من منطق «كم مشروعاً لدينا؟» إلى منطق «ماذا حقق كل مشروع؟»، وهذا يعني أن تكون هناك مؤشرات واضحة مرتبطة بكل مشروع: حجم الاستثمار الذي جذب، عدد فرص العمل التي خلقها، مساهمته في الصادرات، أثره على الإنتاجية، ومدى استفادة المحافظات منه، فهذه هي المؤشرات التي تسمح بالحكم على نجاح التحديث الاقتصادي، لا كثافة الاجتماعات ولا عدد القرارات، وربما يكون من المفيد أيضاً إعادة ترتيب المشاريع وفق أثرها المتوقع، بحيث تعطى الأولوية للمشاريع القادرة على خلق قيمة مضافة وتشغيل وتحفيز الاستثمار، فليس كل مشروع متساوياً في أهميته الاقتصادية، والمشكلة تبدأ عندما يُعامل المشروع عالي الأثر والمشروع محدود الأثر بالوزن نفسه داخل قوائم الإنجاز.
الخلاصة أن الأرقام التي أوردها «راصد» لا تدعو إلى التشاؤم، لكنها تدعو بالتأكيد إلى قدر أكبر من التدقيق فهناك حركة تنفيذية، لكن الجزء الأكبر من المشاريع لم يصل بعد إلى مرحلة الإنجاز النهائي، ولهذا فإن التحدي الحقيقي للحكومة في المرحلة المقبلة ليس في إطلاق المزيد، بل في إكمال القائم، ومعالجة المتأخر، وقياس الأثر الحقيقي لما يتم إنجازه، فالتحديث الاقتصادي لا ينجح عندما تزداد أعداد المشاريع، بل عندما تتحول المشاريع إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى تحسن حقيقي في حياة الناس. عندها فقط يصبح من الممكن القول إن الرؤية انتقلت من الورق إلى الاقتصاد.