نتنياهو وسياسة "فرض" التطبيع
د. زيد الفضيل
06-10-2026 10:28 PM
في صباح يوم الأربعاء 30 سبتمبر/أيلول 2026 هبطت طائرة "فلاي دبي" (FZ1073) اضطرارياً في مطار تبوك بالمملكة العربية السعودية، وكانت متجهة من دبي إلى تل أبيب، وتحمل أكثر من 170 راكبا إسرائيليا؛ وبغض النظر عن ظروف هبوطها والأسباب الداعية إلى ذلك والتي يجري التحقيق فيها بتفصيل أكبر من قبل الجهات المعنية في الإمارات العربية المتحدة، ودون النظر عن كثير من التحليلات الفنية المتخصصة التي فندت الرواية الإسرائيلية المذكورة وصعوبة تقبلها فنيا، فإن ما لفت نظري هو تحول خط سير الطائرة والتي كانت قد دخلت الأجواء الأردنية ثم قام قائد الطائرة البديل بانعطاف حاد يقارب 180 درجة ليتجه جنوبا نحو المملكة العربية السعودية ويطلب الهبوط اضطراريا بمطار الأمير سلطان بن عبد العزيز بمدينة تبوك.
هنا يكمن اللغز السياسي وليس الجنائي، فالظاهر للعيان أن طائرة كل ركابها من دولة إسرائيل ومتجهة إلى تل أبيب تعرضت لمحاولة اختطاف غير ناجح، وكانت قد دخلت الأجواء الأردنية، بل وأصبحت قريبة من تل أبيب ذاتها، حيث تبعد دقائق معدودة، ثم تُقرر أن تنعطف جنوبا باتجاه مدينة تبوك السعودية، في حين كان الأفضل لها أن تهبط بمطار الملكة علياء الدولي بالعاصمة الأردنية، أو تواصل خمس دقائق وتهبط في تل أبيب.
في هذا السياق يصعب إغفال بعض الشواهد الفنية المذكورة التي أثارها أيضا الإعلام الإسرائيلي، مثل كيفية السماح لمساعد طيار عُماني بالعمل على رحلة متجهة إلى إسرائيل مع وجود اتفاق إماراتي-إسرائيلي يتعلق بجنسيات الطواقم، إلى غير ذلك من الشواهد التي ضج بها الإعلام، والتي تشي بأن الأمر بأكمله قد يكون مُرتبا لتحقيق عدة غايات ذات أبعاد مختلفة سواء كانت أمنية أو قانونية وسياسية.
ذلك أن موقف المملكة العربية السعودية السياسي والقانوني وحتى الأمني واضح إزاء عملية السلام مع إسرائيل، وملتزم سياسيا وأخلاقيا بالحل العادل لقضية فلسطين، وهو حلٌ يريد نتنياهو واليمين الصهيوني المتطرف في إسرائيل تجاوزه، بل ويريد أن يتعداه إلى مساحات أوسع عبر خريطة إسرائيل الكبرى وفق ما يتبناه اليمين الصهيوني المتطرف. وعبثا حاول نتنياهو زحزحة الموقف السعودي عبر الوسيط الأميركي، الذي لم يستجب ابتداء لصفقة القرن 2019، ثم علق بكل صرامة ووضوح قبول الاتفاقات الإبراهيمية مشترطا التزام إسرائيل بالمضي قدما في طريق واضح لا رجعة فيه لإقامة مشروع حل الدولتين الذي تتبناه السعودية وفق المبادرة العربية للسلام 2002.
هكذا فشل نتنياهو في تحقيق أي تقدم في الإطار السعودي، ولم يتمكن من زحزحة الموقف الرسمي قيد أنملة، بل ووقفت كثرة من دول العالم بما فيها كثير من الدول الأوروبية الكبرى مع القرار السعودي، وهو ما وضح في إعلان نيويورك 2025، ثم كان أن شهد الموقف الأوروبي في شهر سبتمبر 2026 تحولاً بارزاً نحو فرض قيود وإجراءات حظر تستهدف منتجات المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالضفة الغربية، حيث أعلنت 12 دولة بما فيها بريطانيا وفرنسا وغيرهما تطبيق إجراءات وطنية لحظر أو تقييد التجارة في السلع والخدمات المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية، وصولا إلى تقييد الخدمات المرتبطة بالاستيطان مثل: التمويل، والتأمين، والتخطيط. إلى غير ذلك من ملامح الفشل التي تواجه رئيس الحكومة الإسرائيلية وهو على أبواب انتخابات مركزية مهددة بسقوطه.
من هنا يمكن فهم انعطاف طائرة "فلاي دبي" التي تحمل ركابا إسرائيليين بدرجة كبيرة نحو مدينة تبوك السعودية، وكأني بها تهدف إلى فرض نوع من التطبيع بشكل غير مباشر، تصورا بأن ذلك سيسمح بإرسال طائرة من تل أبيب، وفريق مساند معها، بحجة متابعة أمر الركاب الإسرائيليين؛ غير أن ذلك لم يحدث، حيث تعاملت الجهات المختصة في السعودية بمهنية مع البلاغ ومنحت الطائرة تصريح هبوط اضطراري، وقدمت الرعاية للركاب والطاقم، وفق الالتزامات الدولية والإنسانية والأنظمة المعتمدة لضمان سلامة وأمن الملاحة الجوية، دون أن يعني ذلك أي مفهوم سياسي، كما رفضت السلطات طلبًا إسرائيليًا بأن تأتي طائرات إسرائيلية، بما فيها طائرة عسكرية، لنقل الركاب الإسرائيليين، في منحى تأكيدي على الفصل بين التعاون الجوي الاضطراري إنسانيا من جهة، وأي علاقات دبلوماسية من جهة أخرى.
أشير إلى أن الرحلة في أساسها لم تكن على الطيران الإسرائيلي، وإنما عبر طيران إماراتي، وهو ما يفسر عبورها الأجواء السعودية، كما عكس الموقف السعودي عدلية ومنهجية القرار السياسي من إسرائيل، إذ لا تتبنى الرياض أي موقف عدائي إزاء الإنسان الإسرائيلي من حيث كونه إنسانا إسرائيليا، ولهذا لم تتردد في الموافقة على هبوط الطائرة اضطراريا، وتقديم ما يجب من خدمات ورعاية طبية إنسانية، لكنها في المقابل لا تقبل سياسيا وقانونيا بكل الممارسات الاحتلالية التي تقوم بها حكومة إسرائيل إزاء الشعب الفلسطيني المحتل.
موقع المجلة