facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إنسان من الدرجة الثانية


محمد الأحمد
07-10-2026 01:42 PM

ثلاث سنوات تقريبًا، والفلسطيني يُقتل أمام العالم. يُهجّر، يجوع، يفقد بيته وأهله ومستقبله، ثم يُطلب منه أن يتحمل أكثر، ويصبر أكثر، ويدفع ثمنًا جديدًا باسم الوطن والمقاومة والكرامة والصمود.

لكن السؤال الذي نتجنّب مواجهته هو: إلى متى؟

إلى متى يُطلب من الفلسطيني أن يدفع حياته ثمنًا لقرارات لم يتخذها، وحروب لم يخترها، وسياسات لم يوافق عليها؟

لقد أصبح الفلسطيني، والغزّي خصوصًا، يبدو كأنه إنسان من الدرجة الثانية. موته رقم، ونزوحه خبر، وجوعه تفصيل، واعتراضه قد يتحول إلى تهمة.

وقبل أن نسأل عن مسؤولية حماس، علينا أن نسأل عن مسؤولية الأمة العربية.

حماس لم تظهر من فراغ، ولم تبدأ القضية معها. خلال عقدين، امتلكت الدول العربية المال والنفوذ والعلاقات والوقت الكافي للتأثير في مسار الصراع، والضغط على مختلف الفصائل، بما فيها حماس، ودفعها نحو خيارات سياسية أكثر واقعية.

لكن ماذا كان المشروع العربي؟

لا رؤية مشتركة، ولا استراتيجية طويلة المدى، ولا تصور واضح لما ينبغي أن تكون عليه فلسطين بعد خمس سنوات أو عشرين.

تُرك الاحتلال يتوسع، والانقسام يتعمق، وغزة تختنق، والاحتقان يتراكم. ثم، عندما انفجر كل شيء، بدأ البحث عن المسؤول الأسهل.

هذا لا يعفي حماس من مسؤولية قراراتها. أي جهة تتخذ قرارًا سياسيًا أو عسكريًا يجب أن تتحمل تبعاته.

لكن المسؤولية لا تتوقف عند من ضغط على الزناد.

السؤال الأكبر هو: لماذا وصلنا أصلًا إلى اللحظة التي أصبح فيها الزناد هو السياسة؟

أين كان المشروع العربي طوال هذه السنوات؟

لماذا لم تُستخدم العلاقات والاقتصاد والدبلوماسية والنفوذ العربي لصناعة واقع مختلف؟

لماذا تُرك الفلسطيني محاصرًا حتى انفجر، ثم تُرك وحده ليدفع ثمن الانفجار؟

المشكلة ليست غياب الحل فقط؛ بل غياب التصور. المنطقة تتعامل مع القضية وكأنها أزمة يجب إدارتها من سنة إلى أخرى، لا مشكلة تحتاج إلى نهاية سياسية.

وفي قلب كل هذه الحسابات، هناك إنسان.

الغزّي الذي لم يختر الحصار، ولم يختر الحرب، ولم يختر الفصائل، ولم يختر الاحتلال، ولم يشارك في صناعة القرارات الكبرى، لكنه يدفع ثمنها كلها.

وحين يسأل: لماذا أموت؟ قد يُتهم بالعمالة.

وحين يقول: أريد أن أعيش، قد يُقال إنه تخلى عن القضية.

وحين ينتقد، يصبح رأيه مؤامرة.

وحين يختلف، يصبح خائنًا.

هل الوطن هش إلى هذه الدرجة؟

هل يمكن أن ينهار من كلمة؟

هل تصبح القضية مهددة لمجرد أن إنسانًا طالب بحقه في الحياة؟

إذا كانت القضية عادلة، فلا ينبغي أن تخاف من النقد. وإذا كان الوطن قويًا، فلا ينبغي أن يخاف من السؤال. وإذا كان المشروع السياسي مقنعًا، فلا يحتاج إلى إسكات صاحبه.

الفلسطيني ليس وقودًا دائمًا لصراعات الآخرين.

والغزّي ليس رقمًا في معادلة سياسية.

والتضحية التي لم يخترها الإنسان ليست تفويضًا مفتوحًا بموته.

لقد آن الأوان للتوقف عن التعامل مع الفلسطيني باعتباره الطرف الذي يجب أن يدفع الثمن دائمًا.

فالثمن يجب أن تدفعه أيضًا السياسات الفاشلة، والقيادات التي أخطأت، والدول التي تقاعست، والمشاريع التي لم تنتج إلا مزيدًا من الدماء.

فلسطين ليست شعارًا فقط. ليست حدودًا على خريطة، ولا ورقة تفاوض، ولا معركة مفتوحة إلى الأبد.

فلسطين هي الإنسان.

وإذا أصبح الحفاظ على القضية يتطلب التضحية بالإنسان بلا نهاية، فعلينا أن نعيد النظر في الطريقة التي نفهم بها القضية نفسها.

فالسؤال اليوم ليس فقط: من انتصر؟ ومن هُزم؟ ومن كان على حق؟

السؤال الأصعب هو:

ماذا فعلنا بالإنسان الفلسطيني؟

وإلى متى سنطالبه بدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها؟

وإذا كان الوطن والقضية لا تستطيع أن تحمي الإنسان، فما الذي بقي منها في نظر إنسان لم يعد يريد شيئًا سوى أن يعيش؟

أي قضية هذه التي تحتاج إلى موت الإنسان كي تبقى حيّة؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :