التغيير في التعليم .. من إصلاح التوجيهي إلى بناء منظومة وطنية للمهارات
أ.د احمد منصور الخصاونة
08-10-2026 08:32 AM
ليس من الإنصاف أن نختزل الحديث عن إصلاح التعليم الأردني في امتحان الثانوية العامة «التوجيهي» وحده، كما أنه ليس من الحكمة أن ننظر إلى أي تعديل في نظام التوجيهي بمعزل عن التحولات الأوسع التي يشهدها قطاع التعليم وتنمية الموارد البشرية في الأردن.
ومن هنا، فإن تصريح وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية الدكتور عزمي محافظة، بأن الهجوم بحقي أمر صحي، لأن هناك تغييراً وهناك مقاومة للتغيير ورأياً آخر قد يعارضه بعض الناس ، يستحق أن يُقرأ في سياقه الأوسع؛ سياق مشروع إصلاحي يتناول التوجيهي، ومخرجات التعليم، والتعليم المهني والتقني، وضمان الجودة، والإطار الوطني للمؤهلات، وتسكين المؤهلات، والاعتراف بالتعلم السابق، والشهادات المصغرة، وربط التعليم بسوق العمل.
فهل ننكر أن المجتمع الأردني، والطلبة والأهالي والخبراء والتربويين، طالبوا لسنوات بإصلاح امتحان التوجيهي؟ وهل ننكر أن هناك شكوى متراكمة من فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل؟ وهل يمكن أن نطالب بالتغيير ثم نعترض عندما يبدأ التغيير فعلياً؟
لقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني، في اجتماع تناول تطوير امتحان الثانوية العامة، وبحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، أن تطوير التوجيهي ينبغي أن يكون جذرياً، وأن يكون جزءاً من النهوض بالعملية التعليمية والتخفيف من الضغوط التي تقع على الطلبة، مع ضرورة مواءمة مخرجات التطوير مع متطلبات القبول الموحد.
وهنا تظهر أهمية توجيهات سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، التي تضع الاستثمار في الإنسان والمهارات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في قلب عملية التحديث. وقد انعكس ذلك في النقاشات التشريعية والتعليمية الأخيرة، حيث جرى التأكيد على الاستثمار في تكنولوجيا المستقبل والذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية ودمجها في مختلف مراحل التعليم.
ولنكن صريحين: التوجيهي بشكله التقليدي لم يعد قادراً وحده على الإجابة عن سؤال: ماذا يعرف الطالب؟ والأهم من ذلك: ماذا يستطيع أن يفعل بما تعلمه؟ المطلوب ليس امتحاناً أصعب، ولا امتحاناً أسهل، وإنما نظام تقييم أكثر عدالة وذكاء وقدرة على قياس التعلم الحقيقي.
لقد كانت هناك مطالبات متكررة بتخفيف الضغط النفسي والاجتماعي عن الطلبة، وبإعادة النظر في فلسفة الثانوية العامة، وبربط التعليم بالتخصص الجامعي وسوق العمل. ولذلك فإن الانتقال إلى تطوير التوجيهي ليس قراراً طارئاً ولا فكرة ظهرت فجأة، بل يأتي ضمن مسار إصلاحي بدأ النقاش حوله منذ سنوات.
والملك نفسه شدد على ضرورة شرح خطة التطوير للطلبة وذويهم قبل تنفيذها، حتى تكون الصورة واضحة لدى المجتمع. وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن الإصلاح لا ينجح بالقرار وحده، وإنما بالثقة المجتمعية به.
والأهم من شكل الامتحان هو ما يحدث بعده. فإذا حصل الطالب على شهادة جامعية ثم وجد نفسه يفتقر إلى المهارات المطلوبة في سوق العمل، فإن المشكلة لا تكون في التوجيهي وحده، وإنما في منظومة التعليم بأكملها. ولهذا جاءت فكرة إعادة بناء العلاقة بين التعليم وتنمية الموارد البشرية وسوق العمل. ومشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026 يستهدف، رفع جودة التعليم وتحسين مخرجاته وتنافسيتها، وتطوير مهارات الخريجين وربطها باحتياجات سوق العمل والتنمية. كما أن المنظومة الجديدة تجمع في إطارها مراحل التعليم المختلفة والتعليم والتدريب المهني والتقني.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المرحلة الحالية، أن ننتقل من تعليم يركز على الشهادة إلى تعليم يركز على المعرفة والمهارة والكفاءة والقدرة على الإنتاج. وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن الإصلاح دون الحديث عن دور هيئة الاعتماد وضمان الجودة. فالهيئة ليست جهة شكلية تمنح الاعتماد فقط، وإنما يتسع دورها في المنظومة الجديدة ليشمل ضمان جودة المؤسسات والبرامج التعليمية والتدريبية، وقياس المخرجات، والإطار الوطني للمؤهلات، وتسكين المؤهلات، والاعتراف بالتعلم المسبق، واعتماد وتصنيف الشهادات المصغرة.
وقد أكدت التوجهات الحديثة للهيئة توسيع تطبيق الإطار الوطني للمؤهلات ليشمل مختلف قطاعات التعليم، والعمل على اعتماد وتصنيف الشهادات المصغرة ضمن مستويات الإطار الوطني.
وهذا تطور بالغ الأهمية؛ لأنه يعني أن الدولة تتجه نحو مرجعية وطنية واحدة لجودة المؤهلات، بحيث لا تكون قيمة الشهادة مرتبطة باسم المؤسسة التي أصدرتها فقط، بل بما يمتلكه حاملها فعلياً من معارف ومهارات وكفايات.
وربما لا يدرك كثيرون أهمية مصطلح «تسكين المؤهلات»، لكنه من أهم أدوات الإصلاح. فالإطار الوطني الأردني للمؤهلات يتكون من 10 مستويات للمسارات الأكاديمية والمهنية، ويحدد لكل مستوى المعارف والمهارات والكفايات المطلوبة. وهو قائم على مبدأ مخرجات التعلم، وليس مجرد المدخلات من مناهج ومدرسين ومبانٍ. وهذا يعني أننا نبدأ تدريجياً في طرح سؤال أكثر دقة، ما الذي يستطيع خريج هذا البرنامج أن يعرفه ويفعله؟ بدلاً من السؤال التقليدي، من أي جامعة حصل على شهادته؟ وهذه نقلة فكرية مهمة في التعليم الأردني.
والأكثر أهمية أن العالم لم يعد ينتظر من الشاب أن يتعلم كل شيء في الجامعة ثم يتوقف عن التعلم. ولأت سوق العمل يتغير بسرعة، والتكنولوجيا تتغير بسرعة أكبر. ولذلك أصبحت الشهادات المصغرة وسيلة لإثبات امتلاك مهارة محددة، مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والبرمجة، والتسويق الرقمي وغيرها. وسرني قرار الهيئة بتعميمها على كل التخصصات وليس فقط تخصصات تكنولوجيا المعلومات. وقد عقدت هيئة الاعتماد ورشاً حول الاعتراف بالتعلم المسبق والشهادات المصغرة، مؤكدة أهمية التعلم مدى الحياة والاستعداد لسوق العمل المستقبلي.
وفي الأردن يجري كذلك العمل على اعتماد شهادات مهنية ودولية كشهادات مصغرة ضمن الخطط الدراسية الجامعية، بهدف رفع جاهزية الطلبة وربط مهاراتهم باحتياجات سوق العمل.
وهذا يفتح الباب أمام نموذج تعليمي جديد، يتعلم الطالب من خلال مشروع، يكتسب مهارة، يحصل على شهادة مصغرة، ثم يمكن أن تتراكم هذه الشهادات والمهارات ضمن مساره التعليمي والمهني. إنها ليست إلغاءً للشهادة الجامعية، وإنما تطوير لقيمتها وربطها بمهارات عملية حقيقية.
اذا نحن أمام تغيير في فلسفة التعليم، لذلك، عندما نسمع اليوم عن التوجيهي، علينا ألا ننظر إلى الموضوع باعتباره تغييراً في عدد المواد أو السنوات أو طريقة الامتحان فقط. فالمشروع أكبر من ذلك. نحن أمام محاولة للانتقال من منظومة تعليمية تركز على الامتحان والشهادة إلى منظومة تركز على التعلم والمهارة والمخرجات والجودة والمواءمة مع سوق العمل والتعلم مدى الحياة. ومن هنا يأتي دور الوزير والوزارة، ودور هيئة الاعتماد، ودور الجامعات والمدارس والقطاع الخاص، ودور مجالس المهارات القطاعية، بل ودور الأسرة والمجتمع والإعلام.
ولأن دعم الإصلاح لا يعني إلغاء النقد، فإن دعم الدكتور عزمي محافظة في هذه المرحلة لا يعني أن نقول إن كل قرار صادر عنه صحيح ولا يحتاج إلى مراجعة. هذا ليس المطلوب. ولكن المطلوب هو أن نعطي الإصلاح فرصة، وأن نناقش التفاصيل بعقلانية، وأن ننتقد عندما يكون هناك ما يستوجب النقد، وأن نقترح البدائل، وأن نقيس النتائج بالأرقام والمؤشرات. فالمعارضة الموضوعية مطلوبة، لكن مقاومة التغيير لمجرد أن التغيير غير مألوف ليست إصلاحاً.
لقد اختار الأردن أن يجعل تنمية الموارد البشرية جزءاً مركزياً من منظومته التعليمية الجديدة، وأن يجعل الجودة والاعتماد والإطار الوطني للمؤهلات أدوات أساسية لضبط المخرجات. كما أن التوجهات الرسمية تعزز الانتقال بين التعليم والتدريب والعمل، والاعتراف بالتعلم والخبرات السابقة، وربط البرامج باحتياجات سوق العمل.
وفي الوقت ذاته، تتجه مؤسسات مرتبطة بمبادرات ولي العهد نحو تعزيز المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، وهو ما ظهر بوضوح في النقاشات والمبادرات التي تناولت المهارات والتدريب والتشغيل.
إن القضية اليوم ليست الدفاع عن وزير أو مهاجمة وزير؛ القضية هي: هل نريد أن يبقى التعليم الأردني كما هو، أم نريد أن نبني منظومة تعليمية تواكب الأردن الذي نريده في عام 2030 وما بعده؟
وأعتقد أن الإجابة يجب أن تكون واضحة وهي نعم للإصلاح، نعم لتطوير التوجيهي، نعم لتحسين مخرجات التعليم، نعم للتعليم المهني والتقني، نعم للإطار الوطني للمؤهلات والتسكين والاعتراف بالتعلم السابق، نعم للشهادات المصغرة والتعليم بالمشاريع، ونعم لربط التعليم الحقيقي بسوق العمل.
أما تفاصيل التنفيذ، فهي مجال للنقاش والتقييم والتصحيح. ولكن علينا ألا نرتكب المفارقة الكبرى: أن نطالب منذ سنوات بإصلاح التعليم، ثم عندما يبدأ الإصلاح فعلياً نرفضه لأنه يغيّر ما اعتدنا عليه. فالإصلاح الحقيقي لا يكون مريحاً دائماً، لكنه يصبح ضرورياً عندما يصبح الجمود أكثر كلفة من التغيير. وهنا يمكن أن نفهم تصريح الدكتور عزمي محافظة بصورة مختلفة، ربما يكون ارتفاع منسوب الاعتراض بالفعل مؤشراً على أن المياه الراكدة بدأت تتحرك.
والتعليم الأردني لا يحتاج إلى الخوف من التغيير، بل يحتاج إلى تغييرٍ مدروس، وقياسٍ مستمر، ونقدٍ مسؤول، وإرادةٍ لا تتراجع أمام أول موجة اعتراض.