عمّان… بوابة الثقافة العربية وذاكرةٌ يكتبها الإبداع
ليالي العموش
08-10-2026 11:45 AM
في عمّان، تتجاور ذاكرة الحجر مع نبض القصيدة، وتلتقي حكايات الأمس بأسئلة الحاضر. مدينةٌ تحمل في ملامحها آثار العصور، وفي فضاءاتها أصوات المبدعين، وفي وجدان أهلها حكايات تناقلتها الأجيال. ومن هذا التراكم الحضاري والإنساني، تستمد عمّان مكانتها بوابةً للثقافة العربية، ومساحةً يلتقي فيها الأدب والفكر والفن، وتجد فيها الكلمة فرصةً للحضور والتأثير.
في ظلّ العناية والرعاية الكريمة من لدن سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، تواصل الثقافة الأردنية مسيرتها بوصفها ركيزةً للهوية الوطنية وجسرًا للتواصل مع محيطها العربي والإنساني. وتمنح هذه الرعاية الملكية السامية الإبداعَ مكانته في بناء الإنسان وصون الذاكرة الوطنية، لتواصل عمّان حضورها حاضنةً للفكر والأدب والفنون، وبوابةً للثقافة العربية تتجدد رسالتها عبر الأجيال.
إن الحديث عن عمّان الثقافية هو حديث عن الأردن بكل تنوّعه؛ عن البادية والريف والمدينة، وعن القصائد والأغاني الشعبية والأمثال والسير التي حفظت تفاصيل الحياة وقيم المجتمع. فقد أسهم الموروث الشفوي في تشكيل الوجدان الأردني، وحمل عبر الزمن صور المكان وملامح الإنسان، قبل أن تجد كثيرٌ من تلك الحكايات طريقها إلى التدوين والدراسة والإبداع المعاصر.
وفي تاريخ الدولة الأردنية الحديثة، كان للأدب والشعر حضورٌ منذ البدايات؛ إذ احتضن المجلس الأدبي للملك المؤسس عبدالله الأول شعراء وأدباء من الأردن والوطن العربي، وأسهم في تنشيط الحوار الثقافي. واستمرت هذه المسيرة عبر المؤسسات والمنابر الثقافية، وصولًا إلى اختيار عمّان عاصمةً للثقافة العربية عام 2002، في محطة أكدت حضورها في المشهد الثقافي العربي وانفتاحها على التجارب الإبداعية المختلفة.
وفي امتداد هذه المسيرة، يأتي ملتقى عمّان الثقافي الأول، الذي تنظّمه أمانة عمّان الكبرى يومي السابع والثامن من تشرين الأول 2026، بعنوان «الهوية والتحولات الثقافية»، بمناسبة مرور ثلاثة عقود على مأسسة العمل الثقافي في الأمانة. وهو يفتح المجال لاستعراض التجربة الثقافية للمدينة، ومناقشة هويتها وبنيتها الثقافية، وتقييم النجاحات والتحديات وآفاق التطوير.
وتكمن قيمة هذا اللقاء في قدرته على تحويل استعادة الماضي إلى حوارٍ حول المستقبل: كيف نحفظ خصوصيتنا الثقافية ونحن نتفاعل مع عالم متغيّر؟ وكيف نمنح الأجيال الجديدة فرصة التعرف إلى تراثها، والمشاركة في تطويره بلغتها وأدواتها؟ إن الإجابة تبدأ بإتاحة مساحة حقيقية للمبدعين، وبناء صلة مستمرة بين المؤسسات الثقافية والناس، حتى تصبح الثقافة ممارسةً يوميةً وحضورًا مؤثرًا في حياة المجتمع.
ومن موقعي شاعرةً، وفي امتداد تجربتي ومشاركاتي المحلية والدولية، أرى في القصيدة قدرةً على حمل ملامح المكان إلى آفاق أبعد، وعلى تقريب التجارب الإنسانية مهما اختلفت بيئاتها. فالمشاركة الأدبية مسؤولية تجاه اللغة والذاكرة؛ نذهب إلى الآخر بما نحمله من خصوصية، ونعود بما يوسّع رؤيتنا ويثري علاقتنا بالكلمة.
ويحتل الموروث الشفوي مكانةً خاصةً في هذه المسؤولية. ففي صوت الراوي، وقصيدة الشاعر، وحكاية الجدّة، معرفةٌ بالحياة لا تختصرها الوقائع وحدها. إنها ذاكرة المشاعر والعلاقات والقيم، وما سطره الزمن في وجدان الناس. وصون هذه الذاكرة يحتاج إلى جمعها وتوثيقها، وإتاحتها للباحثين والمبدعين، وفتح المجال أمام حضورها في الشعر والفنون ووسائط التعبير الحديثة، مع احترام سياقها وأصحابها.
إن النهوض بالأدب العربي عملٌ تتكامل فيه جهود الشاعر والكاتب والباحث والمؤسسة والجمهور. وتستطيع الملتقيات الثقافية أن تمنح هذا التكامل قوةً حين تثمر شراكات ومشروعات للنشر والتوثيق، وفرصًا للأصوات الجديدة، وحوارًا يصل أثره إلى خارج قاعات اللقاء.
لهذا، تبدو عمّان اليوم أمام فرصة لتجديد رسالتها الثقافية، مستندةً إلى تاريخها، وإلى تنوّع المجتمع الأردني وطاقات مبدعيه. فمكانة المدينة تتجدد بما تتيحه للكلمة من حرية، وللموهبة من رعاية، وللذاكرة من امتداد.
وتبقى عمّان بوابةً مفتوحةً للثقافة العربية؛ يعبر منها صوت الأردن إلى العالم، وتلتقي عندها أصوات العرب، لتواصل القصيدة رحلتها، وتحفظ الحكاية مكانها، ويكتب الإبداع فصلًا جديدًا في ذاكرة المدينة.
كاتبة وشاعرة وباحثة أردنية
layalyalemosh@yahoo.com