facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سكة الحديد .. حلم طال انتظاره


م. عبدالفتاح الدرادكة
08-10-2026 04:52 PM

إن الاحتفال بوضع حجر الأساس لمشروع سكة حديد العقبة–الشيدية–معان، وبرعاية ملكية كريمة، لا يمثل مجرد بدء تنفيذ مشروع جديد في قطاع النقل، وإنما يجسّد حلمًا طال انتظاره، ويعيد إلى الواجهة ملفًا طال إهماله في الأردن، وهو ملف النقل بالسكك الحديدية، باعتباره أحد أهم مكونات البنية التحتية الحديثة ورافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ويهدف المشروع إلى رفع كفاءة نقل منتجات التعدين وخفض كلف النقل، بما يعزز تنافسية الصادرات الأردنية ويرسخ مكانة ميناء العقبة كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية. ومن المتوقع أن ينقل المشروع، ضمن مرحلته الأولى، قرابة 13 مليون طن من الفوسفات سنويًا من الشيدية إلى العقبة، كما يحقق تكاملًا مع مشروع ميناء معان البري، من خلال إتاحة نقل البضائع المختلفة بكفاءة عالية بين العقبة ومعان، بما يعزز دور الأردن كمحور للنقل والخدمات اللوجستية في المنطقة.

إن أهمية هذا المشروع لا تقتصر على نقل الفوسفات أو خدمة قطاع التعدين، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة إحياء فكرة السكك الحديدية في الأردن، والنظر إليها باعتبارها جزءًا من منظومة نقل وطنية متكاملة يمكن أن تمتد مستقبلًا لخدمة الركاب والبضائع، وتربط مختلف مناطق المملكة، وتفتح المجال أمام ربط الأردن بشبكات النقل الإقليمية.

ولو نظرنا من حولنا في الإقليم، لوجدنا أن الأردن بقي لفترة طويلة شبه معزول عن منظومة النقل بالسكك الحديدية، ليس فقط مقارنة بالدول الأخرى في المنطقة، وإنما أيضًا مقارنة بما كان قائمًا لدينا في الماضي. فمنذ بدايات القرن العشرين، كان خط سكة حديد الحجاز يخترق الأراضي الأردنية من شمالها إلى جنوبها، وأسهم في الربط بين مناطق مختلفة، واستخدم في فترات متعددة لأغراض النقل وخدمة بعض الاحتياجات، قبل أن ينحسر دوره تدريجيًا، ليقتصر الاستخدام السككي في مراحل لاحقة بصورة أساسية على نقل الفوسفات من المناجم إلى ميناء العقبة.

والمفارقة أن الأردن، الذي عرف السكك الحديدية منذ أكثر من قرن، لم يتمكن حتى الآن من بناء شبكة وطنية متكاملة تلبي احتياجات النقل الحديثة، في الوقت الذي أصبحت فيه السكك الحديدية عنصرًا رئيسيًا في أنظمة النقل في العديد من دول العالم، سواء لنقل الركاب أو البضائع، بل أصبحت بعض الدول تعتمد عليها كوسيلة أساسية للربط بين المدن والمناطق الاقتصادية.

إن غياب نظام متكامل للنقل العام، وخصوصًا النقل السككي، أسهم بصورة مباشرة في تشكيل واقع النقل الذي نعيشه اليوم. فقد انتشرت الحافلات الصغيرة، ومنها مركبات «الكوستر»، وأصبحت في فترات طويلة وسيلة النقل الرئيسية لشريحة واسعة من المواطنين. ومع الاحترام والتقدير للعاملين في قطاع النقل، فإن طبيعة هذه الوسائط، من حيث ضيق المقاعد والاكتظاظ وعدم انتظام المواعيد في كثير من الحالات، لا توفر دائمًا البيئة التي تتناسب مع تطلعات المواطنين، ولا سيما الأسر التي تبحث عن وسيلة نقل آمنة ومنظمة تحفظ الخصوصية والكرامة وتحترم الوقت.

ومع غياب وسائل نقل عام منتظمة وموثوقة، اضطر كثير من المواطنين إلى اقتناء السيارات الخاصة، حتى أصبحت بعض الأسر تمتلك أكثر من سيارة، وأحيانًا سيارة لكل فرد من أفراد الأسرة القادرين على القيادة. وهذا الواقع لا يمثل عبئًا اجتماعيًا ومروريًا فحسب، بل يترتب عليه أيضًا استهلاك كبير للوقود، واستنزاف للعملة الأجنبية في استيراد المركبات وقطع الغيار، إضافة إلى تكاليف الصيانة والتأمين والازدحامات المرورية والتلوث.

ولو كان لدينا نظام نقل عام متكامل، يعتمد على وسائل حديثة ومنتظمة، ويراعي خصوصية المجتمع، ويحترم وقت المواطن ويوفر له الراحة والأمان، لما وصلنا إلى هذا المستوى المرتفع من الاعتماد على السيارات الخاصة. ومن هنا فإن الاستثمار في النقل العام ليس ترفًا، وإنما ضرورة اقتصادية واجتماعية وبيئية.

ومن الأمور التي طالما أثارت الاستغراب أن السؤال عن جدوى بعض مشاريع النقل العام، ومنها خطوط القطارات الخفيفة التي يمكن أن تربط عمان بالزرقاء، كان يُقابل أحيانًا بالقول إن المشروع لا يحقق جدوى اقتصادية. وهذا الطرح يحتاج إلى نظرة أكثر شمولًا لمفهوم الجدوى الاقتصادية؛ فالجدوى لا ينبغي أن تقاس فقط بإيرادات التذاكر المباشرة، وإنما بما يوفره المشروع من وقت ووقود، وما يخففه من ازدحام وحوادث وتلوث، وما يتيحه من فرص استثمار وعمل وتنمية عمرانية.

ففي كثير من المدن العالمية، ومنها مدن يقل عدد سكان بعضها عن مليون نسمة، توجد شبكات قطارات فوق الأرض وتحتها، لأنها تنظر إلى النقل العام باعتباره جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الحضري، وليس مجرد خدمة تجارية منفصلة. وإذا أخذنا في الاعتبار الكثافة السكانية والامتداد العمراني في محور عمان–الزرقاء، فإن البحث الجاد في إنشاء منظومة نقل سريعة وفعالة بينهما، وربطها لاحقًا بشبكة أوسع، يستحق أن يكون أولوية وطنية.

إن إنشاء نظام سكك حديدية حديث، وإذا أمكن تشغيل أجزاء منه بالطاقة الكهربائية، يمكن أن يترك أثرًا كبيرًا في الاقتصاد الوطني، من خلال تقليل استهلاك المشتقات النفطية، وخفض كلف النقل، وتوفير الوقت، وخلق فرص عمل، وتحفيز الاستثمار في المناطق التي تمر بها الخطوط. كما يمكن أن يسهم في تنشيط السياحة والصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية، ويعزز قدرة الأردن على الربط بين موانئه ومراكزه السكانية والصناعية، ويفتح آفاقًا أوسع للتبادل التجاري مع الدول العربية المجاورة.

وفي الوقت نفسه، فإن نجاح منظومة النقل السككي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن تطوير منظومة النقل العام بأكملها. فالمطلوب تعزيز أساطيل الحافلات وخطوطها، وتكاملها مع مشاريع النقل السريع، والاستفادة من التجربة التي بدأت مع مشروع الباص السريع، وبناء شبكة مترابطة يستطيع المواطن من خلالها الانتقال بسهولة من الحافلة إلى القطار أو غيره من وسائل النقل، دون عناء أو ضياع للوقت.

لقد تأخر الأردن كثيرًا في ملف النقل العام والسكك الحديدية، لكن التأخر لا يعني استحالة اللحاق بالركب. والمطلوب اليوم أن نعوض ما فات بخطوات جادة ومدروسة، وأن ننظر إلى النقل باعتباره استثمارًا طويل الأمد في الاقتصاد والمجتمع، وليس مجرد مشروع منفصل.

إن سكة الحديد ليست مجرد قضبان وقطارات، بل هي شرايين تربط المدن والمناطق، وتحرك الاقتصاد، وتفتح أبواب الاستثمار والسياحة والتجارة، وتربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب، وتمكّن الأردن من تعزيز تعاونه الإقليمي في مجال النقل البري وحركة الأشخاص والبضائع.

ومن هنا، فإن وضع حجر الأساس لسكة حديد العقبة–الشيدية–معان يجب أن يكون بداية لمسار أوسع وطموح، يعيد الأردن إلى خارطة النقل السككي في المنطقة، ويضع الأساس لشبكة حديثة ومتكاملة طال انتظارها. فالمشروع، وإن بدأ لخدمة قطاع التعدين ونقل الفوسفات، يمكن أن يشكل نواة لمنظومة وطنية أوسع، تمتد مستقبلًا لخدمة مختلف القطاعات والمناطق، وتعيد للأردن دوره الطبيعي في حركة النقل والتجارة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.

ولعل الحلم الذي طال انتظاره، وبدأ اليوم بخطوة عملية على أرض الواقع، يصبح غدًا شبكة متكاملة من السكك الحديدية تمتد على مساحة الوطن كله، وتكون أحد أهم محركات التنمية والنمو الاقتصادي في الأردن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :