في اليوم العالمي للصحة النفسية .. كيف نحارب الوصمة!!
د. محمد يوسف أبو عمارة
11-10-2026 11:33 AM
إن الصحة النفسية ليست رفاهية مؤجلة إلى ما بعد النجاح، ولا قضية يمكن اختزالها في نصيحة عابرة، ولا مسؤولية يتحملها الفرد وحده. إنها جزء من كرامة الإنسان، ومن حقه في حياة متوازنة، ومن مسؤولية المجتمع تجاه أفراده.
وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، لعل السؤال الأهم ليس: كيف نطلب من الإنسان أن يتحمل أكثر؟ بل: كيف نبني حياة لا يضطر فيها إلى استنزاف نفسه كي يثبت أنه قوي
ليست كل الجروح مرئية، وليست كل المعارك التي يخوضها الإنسان تُسمع أصواتها. فثمة أوجاع تسكن الأعماق، وقلق يختبئ خلف الابتسامات، وإرهاق لا تفسّره ساعات العمل الطويلة، بل سنوات من الصمت والتأجيل ومحاولة الظهور بمظهر الإنسان الذي يستطيع تحمّل كل شيء. ومن هنا تبدأ حكاية الصحة النفسية؛ من المسافة الخفية بين ما يشعر به الإنسان وما يسمح للعالم بأن يراه.
في العاشر من تشرين الأول من كل عام، يأتي اليوم العالمي للصحة النفسية ليضع أمامنا سؤالًا يتجاوز حدود الطب والعلاج: هل نعيش فعلًا في مجتمعات تهتم بالإنسان، أم أننا نهتم بما ينجزه أكثر مما نهتم بما يشعر به؟ وهل أصبحنا نقيس قيمة الإنسان بقدرته على الإنتاج والتحمل والنجاح، حتى نسينا أن له روحًا تتعب، ومشاعر تحتاج إلى الفهم، واحتياجات لا يمكن إشباعها بالأرقام والإنجازات وحدها؟
إن الحديث عن الصحة النفسية ليس حديثًا عن فئة بعينها، ولا عن أشخاص يواجهون اضطرابات نفسية فحسب، بل هو حديث عن الإنسان في جوهره؛ عن قدرته على التوازن، وعلى مواجهة الخسارة، والتعامل مع الخوف، واستيعاب الخيبات، وإعادة بناء نفسه حين تتغير الحياة على نحو لم يكن يتوقعه.
فالصحة النفسية ليست أن نكون سعداء طوال الوقت، ولا أن نتخلص من الحزن والقلق، ولا أن نبدو أقوياء في جميع الظروف. إنها أن نمتلك مساحة داخلية تسمح لنا بأن نشعر دون أن نخجل من مشاعرنا، وأن نعترف بالتعب دون أن نعتبره هزيمة، وأن نطلب المساعدة دون أن نشعر بأننا فقدنا شيئًا من كرامتنا أو قيمتنا
إن النضج الحقيقي لا يعني أن ننكر ضعفنا الإنساني، بل أن نفهمه، وأن نعرف متى نستطيع الاستمرار، ومتى نحتاج إلى التوقف، ومتى يكون طلب المساعدة هو القرار الأكثر حكمة وشجاعة.
ولذلك، فإن أول خطوة نحو مجتمع أكثر صحة نفسيًا هي أن نعيد تعريف القوة؛ فلا تكون في القدرة على إخفاء الألم، بل في القدرة على مواجهته، ولا تكون في رفض المساعدة، بل في إدراك الحاجة إليها
تبدأ علاقتنا بالصحة النفسية في مراحل مبكرة من الحياة، حين يتعلم الطفل كيف ينظر إلى نفسه، وكيف يفهم مشاعره، وكيف يفسر ردود فعل الآخرين تجاهه.
فالطفل الذي يجد من يستمع إليه، ويحترم مشاعره، ويساعده على فهم أخطائه، يتعلم تدريجيًا أن الخطأ لا يلغي قيمته، وأن الفشل تجربة يمكن التعلم منها، وأن التعبير عن الخوف أو الحزن ليس سببًا للخجل.
أما حين يكبر الطفل في بيئة لا تسمح له إلا بالتفوق، ولا تمنحه التقدير إلا عندما ينجح، فقد يتعلم أن قيمته مرتبطة بإنجازاته، وأن عليه أن يكون مثاليًا كي يستحق القبول. وهنا قد تتحول الدراسة من مساحة للتعلم والاكتشاف إلى مصدر للخوف والقلق المستمر.
وفي المدرسة، لا تقل الصحة النفسية أهمية عن المناهج والامتحانات والتحصيل الدراسي. فالمدرسة التي تنجح في بناء الإنسان لا تكتفي بنقل المعرفة، بل تساعد الطالب على اكتشاف قدراته، وتقبل اختلافه، وتطوير مهاراته في التواصل وحل المشكلات والتعامل مع الإخفاقات.
كما أن مواجهة التنمر، وتعزيز الاحترام المتبادل، وتوفير الإرشاد النفسي والتربوي، وتأهيل المعلمين للتعامل مع الاحتياجات النفسية للطلبة، ليست أمورًا هامشية، بل عناصر أساسية في جودة التعليم.
فليس كافيًا أن نُخرج طالبًا متفوقًا في الامتحانات إذا كان يفتقر إلى الثقة بنفسه، أو يخشى ارتكاب الأخطاء، أو يربط قيمته الإنسانية بعلامته الدراسية. إن التعليم الحقيقي هو الذي يساعد الإنسان على أن يعرف، وأن يفكر، وأن يشعر بالأمان، وأن يتعامل مع الحياة بوعي ومسؤولية
قد يتردد الإنسان في طلب الدعم خشية أن تتغير نظرة الآخرين إليه، أو أن تُفسَّر معاناته على أنها ضعف في الشخصية، أو أن تؤثر في علاقاته وفرصه ومستقبله. وقد يختار الصمت لأنه لا يجد الكلمات المناسبة لوصف ما يمر به، أو لأنه اعتاد سماع عبارات تقلل من مشاعره، مثل: «الأمر بسيط»، أو «هناك من يعاني أكثر منك»، أو «عليك أن تكون أقوى».
غير أن مقارنة الآلام لا تخففها، وإنكار المشاعر لا يلغيها، والنصيحة التي لا تستند إلى الفهم قد تزيد شعور الإنسان بالعزلة
إن الصحة النفسية ليست رفاهية مؤجلة إلى ما بعد النجاح، ولا قضية يمكن اختزالها في نصيحة عابرة، ولا مسؤولية يتحملها الفرد وحده. إنها جزء من كرامة الإنسان، ومن حقه في حياة متوازنة، ومن مسؤولية المجتمع تجاه أفراده.
وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، لعل السؤال الأهم ليس: كيف نطلب من الإنسان أن يتحمل أكثر؟ بل: كيف نبني حياة لا يضطر فيها إلى استنزاف نفسه كي يثبت أنه قوي؟
إن أعظم ما يمكن أن نقدمه للإنسان هو أن يشعر بأنه ليس مضطرًا إلى خوض معاركه وحده، وأن قيمته لا تتراجع حين يتعب، وأن طلبه للمساعدة لا يجعله أقل قوة، بل يمنحه فرصة ليعيش بوعي وكرامة وطمأنينة.