معضلة الاقتصاد الأردني: لماذا نحتاج إلى الهدم وإعادة البناء؟
د.م. أمجد عودة الشباطات
12-10-2026 09:56 PM
ليست معضلة الاقتصاد الأردني في محدودية الموارد، أو ضيق السوق المحلية، أو الظروف الجيوسياسية وحدها، رغم تأثيرها. فالمعضلة الأعمق، من وجهة نظري، تكمن في النموذج الاقتصادي نفسه، وفي المنهج الذي نحاول من خلاله تحقيق التنمية؛ إذ ما زلنا نعالج النتائج أكثر من الأسباب، ونبحث عن الاستثمارات أكثر مما نصنع مقوماتها، ونتعامل مع المشاريع باعتبارها فرصًا منفردة بدل أن تكون أجزاء مترابطة من منظومة اقتصادية متكاملة.
ولهذا أعتقد أننا بحاجة إلى «الهدم وإعادة البناء»؛ لا بمعنى هدم المؤسسات أو إلغاء الإنجازات، وإنما مراجعة المسلمات والسياسات والأنماط الاقتصادية والإدارية التي استنفدت قدرتها على تحقيق التحول المطلوب، وإعادة بناء اقتصاد يقوم على الإنتاج والصناعة والمعرفة والتكنولوجيا والتكامل الاستثماري.
لقد حقق الأردن إنجازات مهمة وحافظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي والنقدي، لكن الاستقرار ليس تحولًا اقتصاديًا، وزيادة المشاريع لا تعني بالضرورة تنمية مستدامة. فالمقياس الحقيقي ليس حجم الاستثمارات وحده، بل ما تخلقه من قدرات إنتاجية وصناعات مترابطة وصادرات تنافسية ومعرفة وفرص عمل مستدامة.
وهنا أطرح سؤالًا: لماذا لا يكون الأردن مركزًا إقليميًا لصناعة السيارات والمركبات والقطارات والمعدات الهندسية المرتبطة بها؟
فصناعة السيارات، مثلًا، ليست مصنعًا ينتج مركبة، بل منظومة تضم صناعات المعادن والبلاستيك والزجاج والإلكترونيات والبطاريات وأنظمة التحكم والبرمجيات والتصميم والاختبار والخدمات اللوجستية. وكل منها يمكن أن يفتح المجال لمؤسسات جديدة وتخصصات هندسية وتطبيقية، وينقل الاقتصاد من استهلاك التكنولوجيا إلى المشاركة في إنتاجها.
ولا أقصد أن نصنع سيارة كاملة من الصفر، بل أن ندخل بذكاء إلى سلاسل القيمة الصناعية العالمية، بدءًا من المكونات التي نمتلك فيها ميزة تنافسية، ثم نتوسع تدريجيًا بالشراكة مع شركات عالمية تمتلك التكنولوجيا والأسواق.
ولعل قصة المهندس الأردني محمد عيد تستحق التأمل؛ فقد تقدم عام 2012 بمشروع لإنشاء مصنع للقطارات في الأردن بالتعاون مع ائتلاف شركات إيطالية، كما وثقت وكالة الأنباء الأردنية آنذاك. لكن المشروع لم يتحقق في الأردن، وظهرت لاحقًا قصة انتقال النشاط الصناعي إلى تركيا، التي تناولها التلفزيون الأردني. وبصرف النظر عن الأسباب التفصيلية، فإن السؤال الأهم: هل نمتلك منظومة مؤسسية قادرة على اكتشاف الفرص الصناعية الاستراتيجية وتقييمها وتحويلها إلى صناعات وطنية، أم أننا لا ندرك قيمتها إلا بعد ضياعها؟
ومن هنا أقترح التفكير في منظومة وطنية لصناعات النقل والمركبات والسكك الحديدية والمعدات الهندسية، ترتبط بمشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل في الأردن والمنطقة، وتفتح المجال لشراكات صناعية دولية، وتطوير البحث العلمي والتخصصات التقنية، بعد التحقق من الجدوى والقدرة التنافسية والأسواق المستهدفة.
لكن التحول الاقتصادي لا يمكن أن يقوم على صناعة واحدة. نحن بحاجة إلى إعادة تصميم الخريطة الإنتاجية للمملكة، خصوصًا في محافظات الأطراف، من خلال مشروع مرساة (Anchor Project) واحد على الأقل في كل محافظة، يكون قادرًا على خلق منظومة اقتصادية حوله، واستقطاب صناعات وخدمات مكملة، وتوليد طلب مستمر على الموردين المحليين.
فقد يكون المشروع في إحدى المحافظات للصناعات الهندسية، وفي أخرى للصناعات الغذائية المتقدمة، وفي ثالثة لمعالجة المعادن وتحويلها إلى منتجات نهائية، وفي رابعة لمكونات المركبات والطاقة. ولا ينبغي اختيار هذه المشاريع استجابة لرغبات محلية أو اعتبارات سياسية، بل وفق دراسات تحدد الميزة التنافسية والطلب والأسواق والموارد وسلاسل الإمداد والتكامل مع بقية المحافظات.
فالعدالة التنموية ليست توزيع المشاريع بصورة متساوية، بل بناء قدرات إنتاجية حقيقية تتيح لكل محافظة دورًا اقتصاديًا فاعلًا.
وهذا يستدعي الانتقال من انتظار المستثمر إلى صناعة الفرصة الاستثمارية؛ بأن تحدد الدولة المشاريع الاستراتيجية، وتنجز دراسات الجدوى، وتعالج معيقات البنية التحتية، وتحدد الشركاء والأسواق، وتعمل على تطوير اتفاقيات شراء طويلة الأجل للمنتجات والخدمات عندما تكون مجدية وقابلة للتنفيذ. فالمستثمر لا يبحث عن الحوافز وحدها، بل عن فرصة واضحة العائد والمخاطر وقابلة للنمو.
وفي التمويل، لا ينبغي أن تقتصر خياراتنا على الموازنة العامة أو المستثمر التقليدي؛ بل يمكن دراسة شراكات تقودها شركة إدارة الاستثمارات الحكومية، بمشاركة صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي وفق معايير العائد والمخاطر واستقلالية قراره الاستثماري، واستقطاب الصناديق السيادية في الدول المجاورة، خصوصًا السعودية والإمارات وقطر، على قاعدة المصالح الاستراتيجية المتبادلة (Win-Win).
فالدول المجاورة التي تستثمر في بناء قواعد صناعية متقدمة وتنويع اقتصاداتها قد تجد في الأردن شريكًا مكملًا ضمن سلاسل القيمة الإقليمية، لا منافسًا لها. ويمكن تصميم مشاريع صناعية مشتركة تستفيد من موقع الأردن وكفاءاته البشرية واتفاقياته التجارية، ومن رؤوس الأموال والتكنولوجيا والأسواق والقدرات الصناعية لدى الشركاء، بما يتيح توزيع مراحل الإنتاج وفق الميزة التنافسية لكل دولة.
ولنتصور منظومة إقليمية لصناعة المركبات أو معدات السكك الحديدية، تتوزع فيها عمليات التصنيع والتجميع والمكونات والخدمات الهندسية بين دول شريكة وفق دراسات موثقة للجدوى والتكلفة والطلب، مع اتفاقيات توريد طويلة الأجل والتزامات استثمارية واضحة. عندها لا يكون العائد مقتصرًا على الأرباح وفرص العمل، بل يشمل تنويع القواعد الصناعية، وأمن سلاسل الإمداد، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتعزيز الترابط الاقتصادي والاستقرار الاستراتيجي للمنطقة.
فالشراكة الاقتصادية الأكثر استدامة ليست تلك التي يستفيد فيها طرف من حاجة الآخر، بل التي يصبح فيها نجاح كل طرف جزءًا من نجاح الطرف الآخر. وهذا هو المنطق الذي ينبغي أن نحمل به فرصنا الاستثمارية إلى الصناديق السيادية والشركات الصناعية الكبرى، لا بملفات ترويجية عامة، وإنما بمشاريع مدروسة تثبت بالأرقام لماذا يحتاج الشريك إلى الاستثمار في الأردن، ولماذا يحتاج الأردن إلى هذا الشريك.
غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب تحولًا في الإدارة الاقتصادية. فالإدارة ليست وظيفة مساندة، بل المظلة التي تحوّل المعرفة القطاعية والموارد والسياسات إلى نتائج. ولا يمكن إدارة التحول بعقلية المبادرات المتفرقة أو الاكتفاء بقياس نسب الإنجاز والصرف والاتفاقيات الموقعة.
نحن بحاجة إلى إدارة وطنية متكاملة للمحفظة الاستثمارية الاستراتيجية، تربط المشاريع وتحدد أولوياتها والاعتماد المتبادل بينها، وتستخدم دراسات الجدوى والهندسة القيمية وتحليل السيناريوهات وإدارة المخاطر والذكاء الاصطناعي، وتربط القرارات الاستثمارية بمنافع اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس، مع مسؤولية مؤسسية واضحة عن تحققها بعد التشغيل، لا عن إنجاز المشاريع وتسليمها فقط.
ومن هذا المنطلق، فإن رؤية التحديث الاقتصادي، باستثماراتها المستهدفة البالغة نحو 41.4 مليار دينار، تستحق مراجعة تتجاوز عدد المبادرات المنجزة إلى اختبار قدرتها على تغيير البنية الإنتاجية للاقتصاد. فالسؤال ليس كم استثمرنا، بل ما الصناعات الجديدة التي تأسست؟ وما سلاسل القيمة التي نشأت؟ وما التكنولوجيا التي توطنت؟ وما المحافظات التي تغير دورها الاقتصادي فعلًا؟
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية القطاعات القائمة، كالسياحة والخدمات وتكنولوجيا المعلومات، وإنما تعظيم قيمتها وربطها بمنظومات إنتاجية متقدمة. فالاقتصاد القوي لا يقوم على المفاضلة بين الصناعة والخدمات، بل على تكاملهما.
إن الأردن لا يحتاج إلى اقتصاد أكبر حجمًا فحسب، بل إلى اقتصاد مختلف في بنيته وأكثر قدرة على إنتاج الثروة وتجديد مصادرها؛ اقتصاد يصنع الفرص بدل انتظارها، ويبني منظومات صناعية بدل الاكتفاء بالمصانع، ويؤسس أدوارًا إنتاجية للمحافظات بدل توزيع المشاريع عليها، ويقيس النجاح بالقيمة المستدامة لا بحجم الإنفاق.
وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن نفعله هو الاستمرار في تحسين كفاءة نموذج اقتصادي دون مراجعة قدرته البنيوية على تحقيق طموحاتنا؛ فقد ننجح في إدارته بصورة أفضل، لكننا سنظل محكومين بحدود قدرته على الإنتاج والنمو.
لهذا أدعو إلى الهدم وإعادة البناء: هدم الأفكار الاقتصادية والإدارية التي استنفدت قدرتها على التغيير، وإعادة بناء اقتصاد تقوده منظومات إنتاجية واستثمارية مترابطة، وتديره مؤسسات تمتلك المعرفة والكفاءة والقدرة على تحويل الرؤية إلى أثر.
فمعضلة الاقتصاد الأردني ليست أننا لا نملك ما يكفي لنبدأ، بل أننا بحاجة إلى إعادة التفكير فيما نريد بناءه، وكيف نربط أجزاءه، ومن يمتلك القدرة على قيادته.
إن الأمم لا تصنع نهضتها بعدد المشاريع التي تنفذها، بل بقدرتها على بناء منظومة تجعل كل مشروع أساسًا لمشاريع أخرى، وكل استثمار مصدرًا لقدرة إنتاجية جديدة، وكل إنجاز بداية لقيمة اقتصادية أكبر.