المفهوم الأمني الإسرائيلي الجديد بعد 7 أكتوبر: من إدارة التهديدات إلى الحرب الدائمة؟
د. سعود الشرفات
14-10-2026 09:49 PM
لم يعد النقاش حول تداعيات هجمات 7 أكتوبر 2023 في إسرائيل مقتصراً على إخفاقات المخابرات وقوات الأمن والردع والدفاع، بل امتد إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة التحول الذي يشهده التفكير الأمني الإسرائيلي: هل تسعى إسرائيل إلى تصحيح إخفاقاتها السابقة، أم أنها تتجه نحو إعادة تعريف مفهومها للأمن القومي، بما يشمل علاقتها بالديمقراطية والسلام والدول العربية والولايات المتحدة؟
في هذا السياق ؛ يناقش تامير هايمان، المدير التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (لواء احتياط إسرائيلي، والمدير التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، وشغل منصب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بين عامي 2018 و2021.) في دراسته المنشورة في 12 أكتوبر 2026 على صفحة المعهد بعنوان "المفهوم الأمني القومي الجديد: صياغة المفهوم وأسئلة للنقاش"، فرضية مفادها أن إسرائيل بدأت تعمل وفق مفهوم أمني جديد يظهر في ممارساتها وقراراتها، وإن لم يُعتمد رسمياً في وثيقة حكومية. ويؤكد الكاتب أن ما يقدمه تفسير نظري شخصي، وليس وصفاً لعقيدة رسمية متفق عليها.
ويقوم تحليله على التمييز بين الهوية الوطنية التي تحدد طبيعة الدولة وقيمها، والمفهوم الأمني الذي يحدد فهمها للتهديدات ووسائل مواجهتها، والسياسة الأمنية التي تحول هذا المفهوم إلى قرارات عملية. ومن هذا المنطلق، يحذر من أن التغيير الجاري قد يتجاوز تعديل الأدوات العسكرية إلى تحول أعمق في هوية الدولة وأولوياتها.
المبادئ الثمانية للمفهوم الأمني الجديد
يستخلص هايمان ثمانية اتجاهات يرى أنها بدأت تشكل ملامح هذا التحول. أولها تقديم الهوية اليهودية القومية والدينية على القيم الديمقراطية والمساواة، بما يثير تساؤلات حول حقوق المواطنين العرب والتوازن بين يهودية الدولة وديمقراطيتها.
وثانيها التعامل مع السلام والاتفاقيات العربية باعتبارها ترتيبات مؤقتة قابلة للانهيار، لا مكاسب استراتيجية يمكن البناء عليها لتحقيق الاستقرار. وثالثها التشكيك في تماسك الدول العربية الوطنية، والنظر إلى ضعفها وتفككها باعتبارهما وضعاً يمكن لإسرائيل إدارته أو توظيفه لمصلحتها، بدلاً من اعتبار استقرارها مصلحة إقليمية.
أما المبدأ الرابع فيتمثل في تطبيع الحرب باعتبارها حالة دائمة، لا استثناءً ينبغي إنهاؤه لاستعادة الاستقرار والازدهار. ويرتبط بذلك المبدأ الخامس، وهو تعزيز الاعتماد على الذات وتقليص الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة، انطلاقاً من افتراض أن المصالح الأمريكية قد تتغير وأن القيود التي تفرضها واشنطن قد تحد من حرية القرار الإسرائيلي.
ويتمثل المبدأ السادس في إعطاء الأولوية للمبادرة الهجومية والضربات الوقائية على أدوات الردع والإنذار المبكر وإدارة المخاطر، فيما يتعلق السابع بإنشاء مناطق أمنية متقدمة تنقل المواجهة إلى أراضي الخصم وتبعد التهديدات عن العمق الإسرائيلي، مع احتمال توسيع السيطرة وربط المستوطنات والمجتمعات المدنية بمنظومة الدفاع.
أما المبدأ الثامن فيركز على الاستقلال الصناعي الدفاعي والتكنولوجي، من خلال تطوير الإنتاج العسكري المحلي والذكاء الاصطناعي والتقنيات الدفاعية، وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد والتعاون العلمي الدولي. ويثير ذلك مفارقة بين الرغبة في الاستقلال وبين المخاطر الاقتصادية والتكنولوجية الناجمة عن الابتعاد عن شبكات التعاون العالمية.
من السلام إلى الحرب الدائمة: التحدي الاستراتيجي
يقارن هايمان هذه الاتجاهات بالمفهوم الأمني التقليدي الذي جمع بين الردع والإنذار المبكر والقوة العسكرية والسعي إلى التسويات، وبين اعتبار الهدوء شرطاً أساسياً لبناء الدولة وتحقيق الازدهار. كما يستحضر المبادئ التأسيسية التي ربطت الطابع اليهودي للدولة بالحرية والعدالة والسلام والمساواة أمام القانون.
ويرى أن تقديم الهوية القومية والدينية على الحقوق الديمقراطية قد يقوض هذا التوازن، بينما يؤدي التعامل مع السلام بوصفه وهماً أو ترتيباً مؤقتاً إلى إضعاف الثقة وتقليص فرص التسوية. كذلك، فإن تحويل الحرب إلى حالة دائمة قد يستنزف الاقتصاد والمجتمع، ويزيد الضغوط المرتبطة بالهجرة وفقدان الكفاءات، ويحد من قدرة الدولة على الاستثمار في التعليم والتنمية والابتكار.
ويحذر هايمان من أن الاعتماد المتواصل على الهجوم لا يضمن منع المفاجآت أو القضاء على التهديدات، وأن إنشاء مناطق أمنية غير محددة بوضوح قد يعقد قضايا الحدود والسيادة والشرعية الدولية. كما أن تحويل المستوطنات والمدنيين إلى مكونات مباشرة في الخطوط الأمامية يثير تساؤلات حول مسؤولية الدولة والجيش عن حماية السكان وتقليل تعرضهم لمخاطر القتال.
وعلى المستوى الدولي، قد يؤدي السعي إلى استقلال دفاعي واسع إلى تقليص بعض مواطن الضعف، لكنه قد يفرض تكاليف كبيرة إذا أضعف التعاون التكنولوجي والعلمي والتجاري الذي تحتاج إليه إسرائيل، بحكم محدودية مواردها واعتمادها على الاقتصاد العالمي.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للأردن؟
بالنسبة إلى الأردن، تكمن أهمية هذه التحولات المحتملة فيما قد تعنيه من إعادة تعريف للعلاقة مع الدول المجاورة، وتوسيع المناطق الأمنية، وربط الأمن بالاستيطان والسيطرة على الأرض. غير أن تقدير التداعيات يتطلب التمييز بين استنتاجات الكاتب، والسياسات الإسرائيلية المعتمدة فعلياً، والنتائج التي يمكن توقعها مستقبلاً.
وتكمن القيمة الأساسية للدراسة في كونها نقداً داخلياً لاتجاهات محتملة في التفكير الأمني الإسرائيلي، لكنها لا تثبت وجود إجماع إسرائيلي على المبادئ الثمانية، ولا أن جميعها أصبحت جزءاً من عقيدة رسمية موحدة. كما أن رصد إخفاق الردع والإنذار المبكر لا يثبت أن الحرب الدائمة أو الاعتماد على الهجوم وحده بديل أكثر فاعلية.
يحذر هايمان من أن تؤدي صدمة 7 أكتوبر إلى تحول يتجاوز تصحيح الإخفاقات الأمنية نحو إعادة تعريف أوسع لهوية الدولة الإسرائيلية وعلاقتها بالسلام والديمقراطية ومحيطها الإقليمي. فهناك فرق بين تطوير أدوات الدفاع والردع، وبين تحويل الحرب المستمرة وتوسيع السيطرة والتشكيك في التسويات إلى مبادئ دائمة للأمن القومي.
وتتمثل الفكرة المركزية لمقال هايمان في أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تضمن وحدها أمناً مستداماً إذا كانت السياسات التي تستخدمها تعيد إنتاج التهديدات وتزيد احتمالات المواجهة. ويبقى السؤال الذي يطرحه الكاتب: هل يمثل المفهوم الجديد تكيّفاً ضرورياً مع بيئة أكثر خطورة، أم أنه تحول أعمق قد يقوض المبادئ التي أسهمت في بناء الدولة وازدهارها؟
*مؤسس ومدير مركز شُرُفات لدراسات بحوث العولمة والإرهاب. عمان-الأردن