الحسين ومؤسسة ولي العهد… عقدٌ من الإنجاز وتمكين الشباب
العنود عبدالله الطلافيح
14-10-2026 10:01 PM
تكتسب المؤسسات قيمتها من أثرها في حياة الناس؛ بما تفتحه من أبواب للتعلّم والعمل، وما تمنحه من أدوات لتحويل الطموح إلى إنجاز. ومن هذا المنظور، يشكّل الاحتفال بمرور عشرة أعوام على تأسيس مؤسسة ولي العهد محطة وطنية تستحق التوقف عندها، لقراءة تجربة جسّدت رؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في تمكين الشباب الأردني وتعزيز مشاركتهم في بناء وطنهم.
وقد جاء الاحتفال الذي رعاه سمو ولي العهد، بحضور سمو الأميرة رجوة الحسين، في الثاني عشر من تشرين الأول 2026، ليضيء على هذه المسيرة، ويكرّم الشركاء والداعمين الذين أسهموا في استدامة برامج المؤسسة ومبادراتها، ولا سيما وقفية جامعة الحسين التقنية.
بدأت المسيرة عام 2015، حين تأسست المؤسسة بقانون خاص لتكون إطارًا يجمع المبادرات الموجهة للشباب وينظم جهود دعمهم. وفي الثامن من كانون الأول من العام نفسه، صدرت الإرادة الملكية السامية بتشكيل مجلس أمنائها برئاسة سمو ولي العهد. وحمل تأسيسها قناعة بأن قدرات الشباب تحتاج إلى فرص وتدريب ورعاية مؤسسية تساعدهم على أداء دورهم في التنمية.
وتحت رؤية «شباب قادر لأردن طموح»، ركزت المؤسسة عملها على المشاركة الاقتصادية، والقيادة، والتنمية المجتمعية المستدامة. وبحسب تعريفها الرسمي، وصل نطاق عملها إلى 2.2 مليون شاب وشابة، من خلال أكثر من 14 برنامجًا وحضور في جميع المحافظات. ويعكس هذا الانتشار اهتمامًا بإيصال الفرص إلى الشباب في أماكن وجودهم، ومراعاة تنوع احتياجاتهم وطموحاتهم.
ومن أبرز إنجازاتها تأسيس جامعة الحسين التقنية عام 2016، بنموذج تعليمي يركز على العلوم التطبيقية والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ويعتمد المشاريع والتدريب العملي ضمن الدراسة. وقد منح هذا النهج الطلبة فرصة لاختبار معرفتهم واكتساب خبرة في بيئة العمل، بما يعزز استعدادهم للحياة المهنية. وتورد المؤسسة على موقعها الرسمي أن نسبة تشغيل خريجي الجامعة بلغت 100 في المئة، وهو مؤشر يعكس أهمية الربط بين التعليم والمهارات المطلوبة اقتصاديًا.
وامتد هذا التوجه إلى كلية التدريب المهني المتقدم، ومركز التميز للريادة والابتكار «The Core»، ومساحة الصنّاع للتصنيع الرقمي وتطوير النماذج الأولية. وتوفر هذه المرافق للشباب أدوات لتجريب أفكارهم وصقلها، وتساعدهم على الانتقال من تصور الحل إلى اختباره وتطويره، بما يدعم الريادة ويعزز ثقافة الإنتاج والابتكار.
وفي المجال الرقمي، أطلقت المؤسسة «42 عمّان» عام 2023، ثم «42 إربد» عام 2025، لتقديم تعليم مجاني في البرمجة يعتمد على المشاريع والتعلم بين الزملاء. ويوفر هذا المسار للمهتمين، باختلاف خلفياتهم التعليمية، فرصة لتطوير مهارات البرمجة وحل المشكلات والعمل الجماعي، وتوسيع خياراتهم المهنية في قطاع متجدد.
ومن المحطات العلمية البارزة، إطلاق أول قمر صناعي أردني مصغّر «JY1-SAT» عام 2018 ضمن تجربة مبادرة «مسار». وقد شارك في بنائه فريق أردني ضم 19 طالبًا وخمسة أكاديميين واستشاريين، وأعلن سمو ولي العهد إطلاقه إلى الفضاء. وقدم المشروع نموذجًا لقدرة الشباب على خوض مجالات علمية متقدمة حين تتاح لهم المعرفة والدعم والعمل المتخصص.
وفي إعداد القيادات، أطلقت المؤسسة برنامج «خُطى الحسين» عام 2020، القائم على مبدأ الخدمة من أجل القيادة. ويمتد البرنامج عامًا كاملًا، ويتضمن، وفق تفاصيله الرسمية، 600 ساعة من التدريب والزيارات الميدانية الفعلية، ويقبل ما يصل إلى 50 مشاركًا ومشاركة سنويًا. وتساعد هذه التجربة الشباب على تطوير قدراتهم في التخطيط والتواصل والعمل الجماعي، وفهم مسؤولياتهم تجاه المجتمع.
ويكمل برنامج القيادة للمدارس هذا العمل بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم، عبر تعزيز المواطنة الفاعلة والتطوع والانتماء، وتمكين الطلبة من تصميم مبادرات مجتمعية وتنفيذها. وتكمن أهميته في منح الشباب خبرة مبكرة بالمبادرة وتحمل المسؤولية، واكتشاف قدرتهم على إحداث تغيير في محيطهم.
أما التطوع، فقد اكتسب مساحة منظمة من خلال منصة «نحنُ»، التي أطلقتها المؤسسة عام 2019 بدعم من «يونيسف» وبالتعاون مع وزارة الشباب. وتربط المنصة الشباب بفرص تناسب اهتماماتهم، وتوثق ساعات مشاركتهم، وتتيح لهم تطوير مهارات عملية أثناء خدمة المجتمع. وتورد المؤسسة تجاوز عدد المتطوعين 236 ألفًا، والساعات التطوعية 7.1 مليون ساعة؛ وهي أرقام تعكس حجم المشاركة والاستعداد للعطاء.
وشملت مسيرة المؤسسة مبادرات صحية وإنسانية، منها «سمع بلا حدود» لدعم الأطفال الذين يواجهون تحديات سمعية، و«قصي» لتأهيل كوادر العلاج الرياضي للتعامل مع الإصابات والحالات الطارئة. ويؤكد هذا التنوع اهتمامها بعوامل تمكين الإنسان، من التعليم والعمل إلى الصحة والاندماج والمشاركة المجتمعية.
وتتكامل هذه الإنجازات مع جهود سمو ولي العهد في حمل قضايا الشباب إلى المحافل الدولية. ففي الثالث والعشرين من نيسان 2015، ترأس سموه جلسة لمجلس الأمن تناولت دور الشباب في مواجهة التطرف العنيف وتعزيز السلام، وكان أصغر من ترأس جلسة للمجلس. وقد منح هذا الحضور قضية الشباب مساحة دولية، وأبرز أهمية إشراكهم في معالجة التحديات التي تمس مستقبلهم.
وفي العام نفسه، استضاف الأردن المنتدى العالمي للشباب والسلام والأمن، الذي صدر عنه «إعلان عمّان». وتُوّجت الجهود الأردنية، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، بتبني مجلس الأمن القرار رقم 2250 في كانون الأول 2015، مستندًا إلى مضامين الإعلان، ومؤكدًا أهمية مشاركة الشباب في بناء السلام. ويعد هذا المسار محطة بارزة في جهود سموه لتعزيز الاعتراف الدولي بدور الشباب في الاستقرار والتنمية.
وفي أيلول 2017، ألقى سمو ولي العهد كلمة الأردن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مندوبًا عن جلالة الملك عبدالله الثاني، وعرض قضايا المملكة وتحديات المنطقة وأهمية تمكين الشباب. وعلى المستوى الوطني، يتابع سموه ملفات الشباب والاقتصاد والتعليم والتدريب التقني وتكنولوجيا المعلومات والسياحة، بما يربط تطوير قدرات الإنسان بتعزيز فرص الأردن التنموية.
وعند قراءة ما قدمته المؤسسة للشباب، تتضح منظومة تجمع التعليم التطبيقي والتأهيل المهني والرقمي، ودعم الابتكار، وإعداد القيادات، وتوفير فرص التطوع. وقد أتاحت هذه المسارات للمشاركين اكتساب خبرات وبناء علاقات واختبار قدراتهم، بما يساعدهم على اتخاذ خطوات أكثر ثقة نحو مستقبلهم، والمساهمة في تنمية مجتمعاتهم.
وبعد هذا العقد، تتجه الأنظار إلى توسيع الفرص وتعميق أثرها، ومواصلة تطوير البرامج بما يواكب التحولات واحتياجات الشباب. فقد منحت رؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني المسيرة اتجاهها، ومنحها العمل المؤسسي والشراكات والمشاركة الشبابية أدواتها. ويبقى نجاحها متجددًا مع كل شاب وشابة يحوّلان فرصة إلى إنجاز، ومع كل قدرة تنمو لتسهم في بناء أردن يليق بطموح أبنائه.