الغطرسة التي تأكل النصر… حين يصبح التفوق بداية الاستنزاف
سمير حمدان - بودابست
07-10-2026 11:06 PM
لا تسقط القوى الكبرى في لحظة ضعفها، بل في ذروة ثقتها، فالهزيمة توقظ الدولة، أما الانتصار فيخدّرها، والمفارقة أن القوة لا تصبح مهددة فقط عندما تعجز، بل عندما تقتنع بأنها قادرة على إنتاج ما لا يصنعه السلاح، شرعية مستقرة، نظام دائم، وسلام قابل للحياة، وهنا يبدأ فخ الغطرسة بوصفه خطأً استراتيجيًا يخلط بين هزيمة الخصم وحل المشكلة .
عرف الإغريق هذا الخطر باسم «الهوبريس»، تجاوز الحدود الذي يستدعي العقاب، فأثينا دخلت صقلية عام ٤١٥ قبل الميلاد وعادت بكارثة، وبعد قرون صاغ بول كينيدي الفكرة بلغة حديثة، القوى الكبرى تتآكل عندما تتسع التزاماتها أسرع من الموارد التي صنعت تفوقها، فالغطرسة الاستراتيجية ليست المبالغة في تقدير القوة، بل المبالغة في تقدير ما تستطيع القوة إنتاجه سياسيًا .
فلسطين هي المختبر الأوضح، فالكيان الصهيوني يمتلك تفوقًا عسكريًا واسعًا، لكنه لم يحول هذا التفوق إلى نهاية سياسية للسؤال الفلسطيني، يمكن السيطرة على الأرض وتدمير البنية العسكرية وإعادة رسم الوقائع، لكن الحقوق لا تختفي لأنها أصبحت مكلفة، وكل جيل يعيد إنتاج القضية، فيتحول الزمن من أداة لفرض الأمر الواقع إلى عامل يعمل ضده .
والاقتصاد يكشف حدود هذا النموذج، فقد بقي الإنفاق العسكري الإسرائيلي عند مستويات استثنائية، وبلغ ٤٨٫٣ مليار دولار عام ٢٠٢٥، فيما يقدّر بنك إسرائيل كلفة الحرب خلال ٢٠٢٣–٢٠٢٦ بما يتجاوز مئة مليار دولار، موّل نحو نصفها بالدين، وهذه ليست أرقام انهيار، بل مؤشرات انتقال من نموذج يستخدم القوة لتحقيق الأمن إلى نموذج يحتاج إنفاقًا متزايدًا لحماية الواقع الذي صنعته القوة نفسها .
الأخطر ليس ما أُنفق، بل ما قد يصبح دائمًا، فإذا تحولت الزيادة الدفاعية إلى بنية ثابتة، يبدأ الأمن بمزاحمة التعليم والبحث والاستثمار، فيتباطأ النمو، فتضيق القاعدة الاقتصادية التي تموّل الأمن، وعندها يتحول التفوق من أصل استراتيجي إلى التزام متزايد الكلفة، ويصبح الحفاظ عليه أصعب من تحقيقه .
وهنا تتحول الكلفة من مالية إلى سياسية، فالصاروخ يزيل هدفًا لكنه لا ينتج شرعية، والطائرة تغيّر ميزانًا ميدانيًا لكنها لا تحل التناقض بين السيطرة الطويلة على ملايين الفلسطينيين وبين تعريف الدولة لنفسها كيهودية وديمقراطية، وكل واقع لا يتحول إلى تسوية يحتاج إلى قوة دائمة كي يبقى قائمًا .
أميركا تواجه النسخة العالمية من المأزق، خرجت من الحرب الباردة بلا منافس، ثم اكتشفت في العراق وأفغانستان أن إسقاط الأنظمة أسهل من بناء ما بعدها، واليوم تحاول ردع الصين وروسيا، دعم أوروبا، وضبط الشرق الأوسط، بينما يتجه الدين إلى مستويات تاريخية وتزداد كلفة خدمته عامًا بعد عام .
المشكلة ليست أن واشنطن ستفلس غدًا، بل أن خدمة الدين بدأت تزاحم الموارد المتاحة لأدوات القوة ولتجديد الاقتصاد معًا، وحين تضطر الدولة إلى تمويل ماضيها المالي وحاضرها العسكري ومستقبلها الاقتصادي في الوقت نفسه، يصبح السؤال أقل تعلقًا بما تستطيع فعله، وأكثر تعلقًا بما تستطيع تحمّل كلفته .
أمام القوتين ثلاثة مسارات، الأول استنزاف مُدار، انتصارات تكتيكية بلا تسوية، فتزداد كلفة الأمن ويتراجع مردوده السياسي، الثاني صدمة مالية أو داخلية تكشف فجأة أن الالتزامات تجاوزت القدرة على حملها، والثالث واقعية متأخرة، تعيد تعريف النصر بوصفه القدرة على تحويل التفوق إلى تسوية ونظام وشرعية .
ولمعرفة أي المسارات يقترب، تكفي مراقبة ثلاثة مؤشرات، اتجاه خدمة الدين، عمق الانقسام الداخلي، وسلوك الحلفاء، فحين تبدأ الفوائد بمزاحمة الاستثمار، ويتحول الخلاف الداخلي إلى عجز عن القرار، ويبدأ الحلفاء بالتحوط بدل الالتحاق، تكون القوة قد دخلت مرحلة يصبح فيها الحفاظ على التفوق أصعب من تحقيقه .
الخطر لا يأتي من الأعداء وحدهم، بل من المرآة، فحين تصبح الانتصارات أكبر من قدرة السياسة على تحويلها إلى سلام، يحتاج كل نصر إلى نصر جديد يحميه، وكل واقع إلى كلفة أعلى كي يستمر، وعندها لا تعود المشكلة أن القوة لا تستطيع الانتصار، بل أنها لا تعرف كيف تنهي انتصارها .
يبدأ فخ الغطرسة بسؤال، من يستطيع إيقافنا؟ أما بداية الاستنزاف فتأتي حين تنسى القوة السؤال الذي يحدد مصير الإمبراطوريات، ماذا سنفعل بانتصارنا ؟
سمير حمدان – بودابست