facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تكاد الأمة أن تلدَ ربَّتها! حين تنقلب موازين التربية، ويصبح الأبناء سادة القرار


موفق جباعتة
16-10-2026 04:48 PM

في بعض البيوت، لم يعد الأب هو من يضع الحدود، ولا الأم هي من ترسم الضوابط، بل أصبح الأبناء، في كثير من الأحيان، أصحاب الكلمة النافذة، بينما يقف الأبوان عاجزين عن رفض طلب، أو تصحيح خطأ، أو فرض قاعدة، خشية غضب الأبناء أو اتهامهما بالتقصير. وكأننا أمام مشهد مقلوب: آباء يخشون أبناءهم، وأبناء لا يخشون تجاوز حدودهم، وأسر تتنازل عن دورها التربوي باسم الحب والحنان.

لقد أصبح بعض الآباء يتسابقون إلى شراء أحدث الهواتف لأبنائهم، ويتركونها في أيديهم لساعات طويلة دون رقابة أو تحديد لأوقات الاستخدام، ثم يتعجبون من تراجع التحصيل الدراسي، وضعف التركيز، واضطراب السلوك. والمشكلة ليست في الهاتف وحده، بل في عقلية تربوية تظن أن الحب يعني تلبية كل رغبة، وأن الحرمان من بعض الأشياء ظلم، وأن الابن لا ينبغي أن يسمع كلمة «لا». وهكذا ينشأ طفل اعتاد الأخذ دون انتظار، والمطالبة دون مراعاة، والحصول على ما يريد دون أن يتعلم أن للحياة حدودًا، وللحقوق واجبات، وللأفعال عواقب.

لكن الأخطر من ذلك أن بعض الآباء لم يعودوا يكتفون بتلبية رغبات أبنائهم، بل أصبحوا يبررون أخطاءهم، ويصدقون رواياتهم دون تمحيص، حتى لو تضمنت اتهامات باطلة أو افتراءً على الآخرين. فإذا عاد الابن من المدرسة شاكيًا معلمه، تحوّل بعض الأهل إلى خصوم للمعلم قبل أن يستمعوا إليه، وكأن ابنهم لا يمكن أن يخطئ، وكأن الدفاع عنه يقتضي تبرئته مهما كانت الحقيقة. والحقيقة أن الأب الذي ينتصر لابنه في كل موقف، حتى عندما يكون مخطئًا، لا يحميه من الظلم، بل قد يحرمه من أهم درس يحتاج إليه في حياته: أن يعترف بخطئه ويتحمل مسؤوليته.

ولم تكن المدرسة بمنأى عن نتائج هذا الخلل؛ فقد وجد بعض المعلمين أنفسهم أمام تحديات تربوية متزايدة، حيث قد تتحول النصيحة إلى شكوى، والملاحظة إلى اتهام، والمحاسبة إلى خلاف مع الأسرة. وفي ظل غياب التعاون بين البيت والمدرسة، يصبح ضبط السلوك وتقويمه أكثر صعوبة، وتتراجع قيم احترام المعلم، والانضباط، وتقبّل النقد. ولا تقف المسألة عند حدود التحصيل الأكاديمي، بل تمتد إلى العلاقات الاجتماعية والأخلاقية، في وقت تثير فيه المشاجرات والاعتداءات وبعض الجرائم، إلى جانب قضايا تعاطي الحبوب المخدرة والمواد المخدرة بين بعض الشباب، قلقًا يستدعي تحركًا جادًا. ولا يمكن ردّ هذه الظواهر جميعها إلى التربية الأسرية وحدها، لكن لا يجوز كذلك تجاهل أثر غياب الرقابة والتوجيه وضعف المساءلة.

إننا لا ندعو إلى القسوة، ولا إلى تربية تقوم على الخوف والإهانة، ولا إلى استعادة ممارسات الماضي دون تمييز؛ وإنما ندعو إلى استعادة التوازن الذي يجعل الحب مقرونًا بالحزم، والحرية مقرونة بالمسؤولية، والثقة مقرونة بالوعي. فالأب ليس مجرد ممول لاحتياجات أبنائه، والأم ليست مجرد مستجيبة لطلباتهم؛ كلاهما مسؤول عن بناء الشخصية، وغرس القيم، وتعليم الأبناء أن احترام الآخرين ليس خيارًا، وأن الخطأ لا يصبح صوابًا لأن مرتكبه ابننا.

ونحن بحاجة إلى إعادة ترسيخ منظومة الأخلاق التي تربّت عليها أجيالنا: احترام الكبير، والرحمة بالصغير، والصدق، والأمانة، وتوقير المعلم، وحفظ حقوق الناس. نحتاج إلى بيوت يتعلم فيها الأبناء أن الاعتذار شجاعة، وأن الاعتراف بالخطأ فضيلة، وأن اختلافهم مع من يكبرهم لا يمنحهم الحق في الإساءة إليه. ونحتاج إلى أسر تقف مع أبنائها لتصحيح أخطائهم، لا لتغطيتها، وتتعاون مع المدرسة لحمايتهم من الانحراف، لا لتجريد المعلم من قدرته على أداء رسالته.

إن أخطر ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا ليس هاتفًا باهظ الثمن، ولا مالًا وفيرًا، ولا حياة خالية من المشقة؛ بل أن نمنحهم شعورًا زائفًا بأنهم فوق المساءلة، وأن رغباتهم أوامر، وأن الآخرين مطالبون بالخضوع لهم. فذلك ليس تدليلًا عابرًا، بل خلل قد يدفعون ثمنه عندما يخرجون إلى مجتمع لا يستجيب لكل رغباتهم، ولا يعفيهم من مسؤولياتهم.

وحين يخشى الأب أن يقول «لا» لابنه، ويخشى المعلم أن يوجّه طالبه، ويخشى المجتمع أن يحاسب المخطئ، فإن الخلل لم يعد في سلوك فرد واحد، بل في منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة.

لقد آن الأوان أن نستعيد للأسرة دورها، وللأب والأم مكانتهما التربوية، وللمعلم احترامه، وللأخلاق حضورها. فلسنا بحاجة إلى أبناء يطيعون خوفًا، ولا إلى آباء يتسلطون قهرًا؛ بل إلى أبناء يعرفون حدودهم وحقوقهم، وآباء يجمعون بين الرحمة والحزم، ومجتمع يدرك أن التربية ليست إرضاء الأبناء في كل ما يريدون، وإنما إعدادهم ليكونوا قادرين على مواجهة الحياة بوعي وأخلاق ومسؤولية.

فالأمة التي تريد مستقبلًا أفضل، لا يكفيها أن تمنح أبناءها أحدث ما أنتجته التكنولوجيا؛ بل عليها أن تمنحهم ما هو أبقى وأعظم: ضميرًا حيًا، وخلقًا كريمًا، وقدرة على التمييز بين ما يشتهون وما ينبغي أن يفعلوا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :