ضريبة الرجولة .. حين يصبح الحلم ترفًا
اللواء المتقاعد د. محمد بني يونس
17-10-2026 11:18 AM
حدّثني صديقي عن شابٍّ في العشرين، ترك الجامعة في سنتها الثانية ليعمل في مطعمٍ حتى ساعةٍ متأخرة من الليل. وحين سألتْه أمّه أن يعود إلى مقاعد الدراسة، ابتسم وقال: «خلّيني أكون أنا السند... مش إنتو تتعبوا عليّ».
لا أعرف لماذا بقيت هذه الجملة تدور في رأسي. لا أعرف اسمه ولا وجهه، ولا في أيّ شارعٍ يغسل الصحون، لكنني رأيته في خيالي يعود آخر الليل، يخلع حذاءه على العتبة كي لا يوقظ أحدًا، ويجلس وحده مع تعبٍ أكبر من عمره، ويقنع نفسه أن حلمه ترفٌ لا يليق بمن عليه أن يكون رجلًا مبكرًا.
وسألتُ نفسي: هل هذه حكايةُ شابٍّ واحد، أم حكايةُ وطنٍ كامل؟
إليك يا بنيّ… يا من لا أعرف اسمك
ما أنبل قلبك حين تريد أن تحمل أهلك! لكن لا تجعل حبّك لهم قبرًا لما كنتَ تحلم به.
اعمل، فالعمل شرف، لكن اجعله جسرًا لا مقامًا. تعلّم ما استطعت: كتابًا في الاستراحة، ودورةً في المساء، وسؤالًا تطرحه على من يكبرك خبرة. وارفع كفّيك إلى الله وقل: «يا رب، علّمني كيف أنفع أهلي ولا أضيّع نفسي».
لكن النصيحة وحدها لا تكفي
لقد خبرتُ الميدان سنين، وتعلّمتُ أن الجندي لا ينهزم لأنه ضعيف، بل لأن الإمداد انقطع عنه. وكذلك هذا الشاب: لم يترك مقعده زهدًا في العلم، بل لأن الحساب في البيت لا يستقيم.
وحين يتحوّل ابنٌ في العشرين إلى «سند» قبل أوانه، فهذا يعني أن سندًا آخر غاب، وكان ينبغي أن يكون قائمًا. فمن يسدّ الفراغ الذي تركته الدولة؟ ابنٌ يدفع من عمره ثمنًا لا يجب أن يدفعه.
من حكاية شاب إلى مسؤولية وطن
حين تتكرر الحكاية في كل حيّ، فلم تعد قصةً فردية، بل مؤشرًا على خللٍ يستدعي القرار. وهذه خمسة محاور لعل اصحاب القرار اخذها بعين الاعتبار وقد لا تحتمل التأجيل:
١. التعليم حقٌّ لا عبء.منحٌ وقروضٌ ميسّرة لا تُثقل الخريج بدَينٍ يلاحقه سنوات، ودعمٌ حقيقي للطالب المحتاج يغنيه عن غسل الصحون ليلًا.
٢. عملٌ يخدم الدراسة لا يبتلعها.فرص عمل مرنة للطلبة بساعاتٍ تتّسع للمحاضرات، وأجرٍ عادل يحفظ الكرامة، ورقابةٍ صارمة تمنع استغلال حاجة الشباب.
٣. التعليم المهني مسارٌ مشرّف.
أن يصير خيارًا يفضي إلى وظيفةٍ لائقة ودخلٍ كريم، لا ملاذًا لمن قيل عنه «لم يتحمّل الجامعة».
٤. شبكة أمانٍ تصل بكرامة.حماية الأسر الهشّة ودعمها دعمًا يصل إلى مستحقيه دون إذلال، حتى لا يُضطر ابنٌ في العشرين إلى أن يكون ربّ أسرةٍ قبل أن يعيش شبابه.
٥. مجتمعٌ يقدّر العلم.أن يحترم الطالب المجتهد، ويمدّ يده لمن تعثّر قبل أن يسقط، لا بعد أن يسقط.
كلمة أخيرة
الدول لا تُبنى بالشعارات، بل بأن يجد كل شابٍّ في وطنه بابًا مفتوحًا يليق بحلمه. والوطن الذي يريد غدًا قويًّا، عليه أن يستثمر في شبابه اليوم، لا أن يستهلكهم، وكما أكد جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاباته («يا شباب الأردن الغالي، اعلموا أن مستقبل الوطن بين أيديكم وأنكم أبرز صناعه، وأنتم نعم من يحمل هذه المسؤولية، وامضوا في مسيرة البناء والتحديث والازدهار»).
فإذا صار التعليم حقًّا متاحًا للجميع، لن يعود الأبناء مضطرّين لأن يختاروا بين حبّ أهلهم وضياع أنفسهم.
فلعلّها تصل.