مشروع اللحاق العالمي الكبير للدول المتقدمة
مؤيد السامرائي
17-10-2026 11:25 AM
* لكيلا تُستخدم الأدوات المجتمعية وتُستبدل بحسب الحاجة
تُستخدم الأدوات المجتمعية وتُستبدل بحسب الحاجة. أنتجت الفوضى في العراق وسوريا وأفغانستان واليمن وغيرها أدوات محلية (كطالبان وداعش والميليشيات والحوثيين) على سبيل المثال لا الحصر. فالتقطت القوى العظمى والإقليمية هذه الأدوات حينما خدمت مصالحها، ثم تخلّت عنها عند انتهاء الحاجة. ويُفسَّر هذا السلوك على أنه انتهازية استراتيجية من جميع الأطراف، أكثر مما يُفسَّر على أنه تخطيط مسبق.
وفي هذا السياق، لا يصحّ اعتبار "داعش" وإيران وجهين لعملة واحدة رغم استخدامهما خطاباً دينياً. فإذا كان "المنتج" هو التوسع الخارجي باسم الدين، فهناك تشابه شكلي. أما إذا كان "المنتج" هو ما يقدمه كل منهما فعلياً للمنطقة والعالم، فهما منتجان مختلفان جذرياً: إذ تقدم إيران "نظاماً" (ولاية فقيه، وميليشيات منظمة، وتحالفات دولة، ومؤسسات، ودبلوماسية، وأسواقاً)، أي بديلاً للنظام الإقليمي يمكن التفاوض معه وإدارته؛ بينما قدّم "داعش" الإبادة وتدمير الآثار وإلغاء الحدود وإلغاء التعايش، أي نهاية النظام نفسه لا بديلاً عنه، ومن ثمّ لا يمكن التعايش معه، بل لا يمكن إلا تدميره.
ويلزم هنا تحفّظ: فـ"قابلية التعايش" مع "المنتج" الإيراني ليست صفة جوهرية فيه، بل نتيجة إدارة استراتيجية من قبل الآخرين (تفاوض، وردع، وموازنة). إذ ترى دول الخليج في "النظام" الإيراني تهديداً وجودياً بقدر ما تراه في "داعش"، وإن اختلفت طبيعة التهديد وقابليته للإدارة. وهذا التحفظ لا يلغي الفرق الجوهري بين منتج يمكن إدارته ومنتج لا يمكن إلا تدميره.
وفي مقابل منطق "الاستخدام والتخلي"، قدّمت تركيا تجربة يمكن وصفها بالنجاح في التعامل مع ما يُعرف في الخطاب السياسي الأمريكي بـ “الفوضى الخلاقة" — وهو تعبير استراتيجي لمصطلح "الفوضى الخلاقة" (أو "الفوضى المُسيطر عليها") ارتباطاً وثيقاً بوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس وإدارة جورج دبليو بوش في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقد استخدم منتقدو السياسة الخارجية الأمريكية خلال حقبة أوباما (حين شغلت هيلاري كلينتون منصب وزيرة الخارجية بين عامي 2009 و2013) هذا المصطلح لوصف نتائج التدخلات الأمريكية إبان "الربيع العربي"؛ مثل التدخل العسكري في ليبيا — والتي برّرت أن تلك الأدوات جاءت ردّ فعلٍ لحالة ما، مما دعم مقبولية تلك الأدوات المحلية في ذهن جزء كبير من الفئات المجتمعية.
وللحدّ من انتشار هذه الفوضى في سوريا، حوّلت تركيا، بهدوئها، هذا السياق إلى سلام مجتمعي تركي، وذلك عبر تحديد هدف مشروع وواضح يلتزم بالسلام المجتمعي ويراعي جميع مكونات المجتمع السوري، وعبر تقديمه كنموذج قابل للتطبيق من خلال "النصيحة لمن يسمعها"، أي عبر التأثير والنفوذ والوساطة لا عبر الفرض أو الوصاية. ومن جانب آخر، استقبلت تركيا ملايين النازحين والمهاجرين السوريين، وهو ما لم يكن عملاً إنسانياً فقط، بل آلية لدمج المعرفة بين دول الجوار: نقل خبرات إدارية واقتصادية واجتماعية، وتعلم مشترك، وتقبّل المجتمعات بعضها بعضاً عبر الاحتكاك اليومي والاندماج في سوق العمل والتعليم.
وبهذا المعنى، فإن ما قدّمته تركيا ليس "نموذجاً سياسياً للاقتداء" بالمعنى الأيديولوجي، بل مظلة عملية جمعت بين وساطة سياسية وأرضية استقبال ودمج، سمحت لسوريا الجديدة بالانتقال من منطق الفوضى إلى منطق الدولة المدنية التي تراعي مكوناتها. وهذا يتسق مع المنطق الأساسي المتفق عليه: أن الأدوات تُستخدم وتُستبدل، وأن الشرعية تُمنح عندما تتوافق الأداة مع مصالح القوى التي تمسك بها. لكن الفارق هنا أن تركيا لم تتعامل مع السوريين كـ “أداة" تُستهلك ثم يُتخلّى عنها، بل كمجتمع له حقوق وهدف مشروع، وهو ما يجعل تجربتها أقرب إلى "الحل" من "الاستخدام"، وإن ظلت مصالح أنقرة الاستراتيجية (الاستقرار على حدودها، والنفوذ، والعائد الاقتصادي، وضبط ملف اللاجئين) حاضرة في كل خطوة. ويُضاف إلى ذلك أن استراتيجية تركيا لفتح مسارات برية منخفضة التكلفة لتصدير منتجاتها وصناعاتها ودعم اقتصادها واستقراره لم تكن مجرد حسابات تجارية، بل كانت ركيزة لتمكينها من الحفاظ على العمق الاستراتيجي داخل دول محيطها الإقليمي، وتقديم ما يثبت للعالم أنها قادرة على نشر الاستقرار المجتمعي من خلال تنمية المجتمعات والتعايش فيما بينها على أساس المصلحة المتبادلة، وهو ما يجعل تجربتها نموذجاً لتحويل سياق "الفوضى الخلاقة" إلى سلام مجتمعي قابل للاستمرار.
وفي امتداد لهذا المنطق، يأتي مشروع مؤيد السامرائي — مؤسس ورئيس تحالف الابتكار الجمعي العابر للحدود (SAMANSIC) في تركيا بين العامين 2014 و2026 — مشروعه التجريبي الذي يُعتبر متوافقاً مع المسار الحيادي التركي. حيث يُنتج مشروعه التجريبي مساراً لاستدامة عدم عودة "الفوضى الخلاقة". وهو مشروع يقدم نفسه بوصفه إطاراً سيادياً متكاملاً (نظام تشغيل سيادي) يدمج الدفاع والاقتصاد والرعاية الصحية والبنية التحتية والتعليم واستعادة البيئة في بنية واحدة، ويقوم على نواة تقنية موحدة. تبدأ تطبيقاتها من العائلة وأطفالها من خلال ألعاب تعليم STEM غير اللفظية، إلى البناء السريع المقاوم للزلازل، ومن استعادة الغلاف الجوي عبر "الهرم الأيوني" إلى العملة المشفرة والمدمجة (جيوحيوية) المرتبطة بالهواء النظيف، ومن مشاريع الغلاف الجوي إلى نظام حوكمة كوكبي.
وتكمن أهمية هذا الطرح جيوسياسياً في أنه لا يواجه القوى الكبرى مباشرة، بل يسعى إلى بناء "طاولة تفاوض جديدة" تتبنى فيها تلك القوى أجزاءً من النظام فتصبح مصلحتها الذاتية حماية له. كما تكمن أهميته مجتمعياً في أنه يجعل التعليم نقطة الدخول المعرفية للنظام، ويحوّل البناء إلى عملية ذاتية التجميع لا تحتاج إلى عمالة ماهرة، ويحوّل إزالة التلوث من تكلفة إلى مصدر قيمة.
وبهذا المعنى، فإن المشروع يقدم نفسه كإجابة عملية على السؤال الذي يطرحه الجميع: كيف يمكن استدامة عدم عودة الفوضى؟ ليس عبر أداة تُستهلك ثم يُتخلّى عنها، بل عبر نظام يُدمج في مصالح الفاعلين الكبار والصغار معاً، ويُمنح الشرعية عبر التوافق مع المصالح لا عبر الفرض أو الوصاية. وهذا يتسق مع المنطق الأساسي الذي اتفق عليه الجميع، لكنه يضيف إليه بُعداً تقنياً-اقتصادياً: أن استدامة السلام المجتمعي لا تحتاج فقط إلى وساطة سياسية وأرضية استقبال ودمج، بل إلى بنية مادية ومعرفية وتقويمية تجعل من مصلحة القوى الكبرى ذاتها الحفاظ على هذا السلام. وهو ما يطرحه مشروع اللحاق العالمي الكبير للدول المتقدمة، SAMANSIC كنموذج تجريبي قابل التحقق والتطبيق في كل مكان، حتى في الدول الكبرى جغرافياً، فهو يُمكّن ولاياتها من استثمار قدراتها الوطنية والإقليمية كمجتمعات مدمجة تُحقّق التعايش المجتمعي بين المجتمع الأصلي والمهاجرين، وفق المصلحة المتبادلة، والتزام الجميع بفكر بقاء الاحترام والمنطق بين المجتمعات الأم ذاتها، وبينها وبين المجتمعات المهاجرة، وبين المجتمعات المهاجرة وتعايشها المسبق مع مجتمعات أم أخرى، وهي تخلق توازناً في مسار الهجرة بحيث لا يركز المهاجر بالحصول على جنسية البلد المضيف من اجل انقاذ نفسه من حالة لظرف مؤقت او العكس مالم تتوافر اسس الاستدامة في التعايش المجتمعي المتزن والمنتج مجتمعياً وطنياً واقليمياً وعالمياً.
* عالم ومبتكر - مؤسس تحالف "سامانسيك" (SAMANSIC) - شبكة ابتكار عابرة للحدود قائمة على الذكاء الجماعي
* كبير مهندسي الابتكار السيادي، ورئيس قسم الابتكار والتكنولوجيا والاستراتيجية الجيوسياسية
www.siina.org