صراع القوة وأزمة الاقتصاد ومصائر الشعوب
د. بركات النمر العبادي
20-10-2026 11:44 AM
من سيقود المنطقة: إيران أم إسرائيل أم الولايات المتحدة؟ من سيعيد تشكيل الشرق الأوسط سياسيًا واقتصاديًا، ومن سيدفع ثمن الصراع؟
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة حروب فحسب، بل يواجه أزمة أعمق تتعلق بمستقبل الدولة والاقتصاد والإنسان. فبين طموحات النفوذ الإيراني، والمشروع الإسرائيلي التوسعي ومخاطره على أمن المنطقة، والحسابات الاستراتيجية الأمريكية، تقف شعوب المنطقة أمام سؤال مصيري: من سيخرج من هذا الصراع أكثر قوة، ومن سيجد نفسه أمام فاتورة اقتصادية وسياسية واجتماعية باهظة؟
إن اختزال مستقبل الشرق الأوسط في انتصار طرف على آخر قد يكون قراءة قاصرة لطبيعة الصراع. فإيران تمتلك أدوات نفوذ إقليمية وقدرات عسكرية، وإسرائيل تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا وعسكريًا، فيما تحتفظ الولايات المتحدة بثقل اقتصادي ومالي وعسكري ودبلوماسي واسع. لكن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة القدرة على بناء نظام إقليمي مستقر، ولا يضمن تحويل التفوق العسكري إلى ازدهار اقتصادي أو شرعية سياسية مستدامة.
فالقوة التي تستطيع فرض كلفة الحرب ليست بالضرورة القوة القادرة على صناعة السلام، والدولة التي تربح معركة قد تخسر البيئة السياسية والاقتصادية التي تحتاج إليها لتثبيت نتائج انتصارها.
تسعى إيران إلى حماية نفوذها الإقليمي وتعزيز قدرتها على الردع، لكنها تواجه تحديات اقتصادية تتصل بالعقوبات والضغوط المالية وكلفة المواجهة. وكلما اتسعت دائرة الصراع، ازدادت صعوبة الموازنة بين متطلبات الأمن العسكري واحتياجات المجتمع والتنمية.
أما إسرائيل، فعلى الرغم من تفوقها العسكري والتكنولوجي، فإن القوة لا تعفيها من الكلفة الاستراتيجية للحروب الممتدة، وما تخلّفه من أعباء مالية، واضطرابات اجتماعية، وتراجع في الثقة الدولية، ومخاطر متزايدة على أمنها طويل الأمد. كما أن استمرار الاحتلال والاعتداء على الحقوق الفلسطينية، وتوسيع الصراع، لا يمكن أن يؤسسا سلامًا مستدامًا مهما بلغ التفوق العسكري.
وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى المنطقة من زاوية مصالحها الاستراتيجية، وأمن حلفائها، وممرات التجارة والطاقة، وموازين القوى الدولية. غير أن قدرتها على التأثير لا تعني امتلاكها حلولًا لكل أزمات المنطقة، ولا تعني أن مصالحها تتطابق دائمًا مع مصالح شعوبها ودولها.
وهنا تتضح المفارقة: قد ينجح كل طرف في إضعاف خصمه، لكن ذلك لا يعني أن المنطقة أصبحت أكثر استقرارًا أو أن شعوبها أصبحت أكثر ازدهارًا. فقد تتراجع قوة دولة، بينما تتسع دائرة الفقر والاضطراب لدى جيرانها، ويصبح الجميع خاسرين بدرجات متفاوتة.
الاقتصاد… الحقيقة التي لا تستطيع الحروب إخفاءها ، فللحروب لغة تتحدث عن الردع والانتصار والسيادة، لكن الاقتصاد يتحدث بلغة مختلفة: كلفة الإنتاج، وفرص العمل، والاستثمار، والدين العام، والأسعار، ومستوى معيشة المواطنين.
حين تتسع المواجهات، تتأثر حركة التجارة والنقل والطاقة، وترتفع مخاطر الاستثمار والتأمين، وتتراجع ثقة الأسواق، وتتحمل الدول المستوردة للطاقة والسلع أعباء إضافية. كما تتضرر السياحة، وتتراجع قدرة الحكومات على توجيه مواردها نحو التعليم والصحة والبنية التحتية، عندما تضطر إلى التعامل مع تداعيات أمنية متزايدة.
ويقف الأردن في قلب هذه التحولات، محاطًا بأزمات إقليمية، ومثقلًا بتحديات اقتصادية مزمنة تتصل بالبطالة والفقر والدين العام ومحدودية الموارد المائية والطاقة. وتزيد الاضطرابات الإقليمية من حساسية اقتصاده، بفعل تأثر التجارة والسياحة والاستثمار وكلفة النقل والطاقة، فضلًا عن الأعباء التي تفرضها الأزمات الإنسانية والإقليمية.
لكن قراءة الواقع الأردني لا ينبغي أن تتحول إلى خطاب تشاؤمي، كما لا يصح أن تتجاهل حجم الضغوط. فالمطلوب هو إدراك أن الاستقرار السياسي والأمني، على أهميتهما، لا يكفيان وحدهما لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ما لم تقترن بهما سياسات إنتاجية فاعلة، وإصلاح إداري، وعدالة في توزيع الفرص، وتحسين ملموس في مستوى معيشة المواطنين.
ويحتاج الأردن، في هذه المرحلة، إلى تحصين اقتصاده من الصدمات الخارجية، وتوسيع قاعدة الإنتاج والتصدير، وتعزيز الأمنين المائي والغذائي، وتسريع الاستثمار في الطاقة، ودعم الصناعات الوطنية والمشروعات الصغيرة، وربط التعليم والتدريب بحاجات سوق العمل.
ومن منظور الفكر المحافظ الأردني الحديث، تتجسد هذه المعادلة في ضرورة حماية الدولة الأردنية بوصفها ركيزة الاستقرار الوطني، وصون شرعيتها الدستورية وعمقها الهاشمي وتماسك نسيجها الاجتماعي، بالتوازي مع تحديث اقتصادها وتعزيز قدرتها الإنتاجية. فالمحافظة على الأردن لا تعني الاكتفاء بحماية ما تحقق، بل تطويره بما يستجيب لتطلعات الأردنيين، ويحفظ هويتهم الوطنية، ويوسع فرص العمل والعيش الكريم. فالدولة التي تصون جذورها، وتجدد مؤسساتها، وتستثمر في إنسانها، هي الأقدر على مواجهة اضطرابات الإقليم دون أن تفقد استقلال قرارها أو توازنها الوطني.فالدولة القوية ليست فقط التي تحمي حدودها، بل التي تمنح أبناءها القدرة على العيش الكريم وصناعة مستقبلهم.
من سيقود الشرق الأوسط بعد انقشاع الغبار؟ قد تتمكن إيران من الحفاظ على بعض عناصر نفوذها، وقد تعزز إسرائيل تفوقها العسكري، وقد تواصل الولايات المتحدة التأثير في اتجاهات المنطقة. لكن أيًا من هذه النتائج لا يكفي وحده للقول إن طرفًا بعينه سيقود الشرق الأوسط اقتصاديًا وسياسيًا لعقود مقبلة.
إن المستقبل قد لا يكون حكرًا على قوة واحدة؛ فقد يتشكل من توازنات متعددة، تتوزع فيها الأدوار بين قوى إقليمية ودولية، وتزداد فيها أهمية الدول القادرة على الجمع بين الاستقرار والإنتاج والابتكار والدبلوماسية. وفي هذا السياق، تستطيع الدول العربية أن تنتقل من موقع المتأثر بالصراعات إلى موقع الفاعل، إذا عززت التكامل الاقتصادي، واستثمرت في الإنسان، ووسعت تعاونها في مجالات الغذاء والمياه والطاقة والتكنولوجيا.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى منتصر جديد بقدر ما يحتاج إلى نظام إقليمي يجعل الحرب استثناءً والسلام العادل قاعدة، ويحفظ سيادة الدول وحقوق الشعوب، ويحول الثروات من أدوات للصراع إلى روافع للتنمية.
أما الأردن، فإن مصلحته العليا تقتضي الحفاظ على سيادته واستقراره، وتجنب الانجرار إلى صراعات المحاور، وتعزيز قدرته الاقتصادية والإنتاجية، وصون جبهته الداخلية، مع مواصلة الدفاع عن الحقوق الفلسطينية المشروعة.
في نهاية المطاف، لن يكون المنتصر الحقيقي هو من يملك الصاروخ الأبعد مدى، أو النفوذ الأوسع، أو القدرة الأكبر على إخضاع خصومه؛ بل من يستطيع تحويل القوة إلى استقرار، والاستقرار إلى تنمية، والتنمية إلى كرامة للإنسان. فحين تعجز السياسة عن حماية الاقتصاد، وتعجز القوة عن صناعة السلام، تتحول انتصارات الدول إلى أعباء على الشعوب، ويصبح المستقبل هو الخاسر الأكبر.
حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني /الامين العام المساعد للتثقيف الحزبي