الأوطان فوق الخلافات والسيادة
سامي شريم
20-10-2026 11:53 AM
* فوق المصالح والدبلوماسية قبل السلاح
إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الأوطان ليس اختلاف أبنائها في الرأي ولا معارضتهم للحكومات بل أن يتحول الخلاف السياسي إلى أداة لهدم الدولة وأن يصبح السلاح بديلا عن العقل والحوار بديلا عن الدبلوماسية. لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الأوطان لا تسقط دائما بفعل جيوش أعدائها بل قد تسقط حين ينجح أعداؤها في تحويل خلافات أبنائها إلى حروب تستنزف دماءهم وثرواتهم وتدمر مقدراتهم.
إن صراحة الإنسان وثباته على قناعاته واستعداده لتحمل ثمن مواقفه قيم لا تقدر بثمن شريطة أن تبقى الكلمة مسؤولة وأن يكون الوطن فوق المصالح الشخصية والحسابات الضيقة فليس المطلوب أن نتفق جميعا مع الحكومات بل المطلوب أن نختلف دون أن نهدم الدولة وأن ننتقد دون أن نمنح خصوم أوطاننا فرصة لاستغلال خلافاتنا.
إن ما يجري في المنطقة العربية والإسلامية يفرض على القيادات السياسية والدبلوماسية مراجعة جادة لمسارات الصراع فإذكاء الفتن الطائفية والتحريض على الاقتتال بين السنة والشيعة أو بين الدول العربية لا يخدم شعوب المنطقة بل يفتح أبوابا واسعة للاستنزاف ويصرف الأنظار عن قضايا التنمية والتحرر الاقتصادي وبناء القوة العلمية والتكنولوجية وأيا كانت الجهات التي تستفيد من هذه الانقسامات فإن المسؤولية التاريخية تقتضي ألا نسمح لخلافاتنا بأن تتحول إلى وقود لمشروعات الهيمنة الخارجية.
ومن هنا فإن وقف الحرب اليمنية السعودية ومعالجة جذور الخلاف عبر تسوية سياسية عادلة يمثلان ضرورة لحماية أمن المنطقة وصون دماء شعوبها كما أن الخلافات العربية العربية يجب أن تبدأ معالجتها بطاولات الحوار وقنوات الوساطة قبل أن تصل إلى ميادين المواجهة فأين المبادرات الدبلوماسية العربية وأين دور الحكماء وأصحاب الخبرة وأين المؤسسات التي أنشئت لتقريب وجهات النظر ومنع الانفجار؟
إن الجيوش العربية وجدت لحماية الأوطان وصون السيادة ورد العدوان وليست بديلا عن السياسة ولا أداة لتصفية الخلافات بين الأشقاء وقوة الدولة لا تقاس بترسانتها العسكرية وحدها بل بقدرتها على منع الحروب وبناء الاقتصاد وحماية العلماء واستثمار العقول وتحقيق الاكتفاء الإنتاجي وصناعة مستقبل يليق بشعوبها.
لقد آن الأوان لإطلاق مبادرة عربية شاملة لوقف النزاعات وتسوية الخلافات وإعادة بناء الثقة وتحصين الاقتصادات الوطنية وتعزيز التعاون العلمي والتكنولوجي فالأمة التي تستورد احتياجاتها الأساسية وتستنزف ثرواتها في الحروب وتخسر علماءها وشبابها لا تستطيع أن تحقق استقلالا حقيقيا مهما امتلكت من ثروات.
فيا قادة العرب ويا سياسييهم ويا دبلوماسييهم إن التاريخ لن يسألكم عن عدد الأسلحة التي امتلكتموها بقدر ما سيسألكم عن الحروب التي منعتموها والدماء التي حقنتموها والأوطان التي أنقذتموها.
الوطن أكبر من الحكومة وأبقى من المسؤول وأقدس من كل خلاف سياسي ومن يختلف مع حكومته فليعارض ولينتقد وليطالب بالإصلاح ولكن عليه ألا يجعل من خلافه جسرا تعبر عليه الأخطار إلى وطنه فالأوطان لا تحتاج إلى مزيد من المحرضين على الانقسام بل إلى رجال دولة يقدمون الحكمة على المغامرة والمصلحة العربية على الحسابات الضيقة والسلام على حروب الاستنزاف.
فإما أن نتعلم كيف نختلف بعقل الدولة أو نظل ندفع ثمن خلافاتنا من دمائنا وثرواتنا ومستقبل أجيالنا.