facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دم حمود


د. صالح سليم الحموري
24-10-2026 01:27 PM

لم يكن أهل حمود يتوقعون أن يتحوّل وداع ميتٍ إلى وداع أحياء، وأن يصبح المكان الذي اجتمعوا فيه للصلاة والرحمة مسرحًا للرصاص والموت. ذهبوا ليودّعوا روحًا رحلت، فإذا بأرواح أخرى تُنتزع، وبالحزن الذي جاءوا يتقاسمونه يتحوّل إلى جرحٍ في قلب وطن بأكمله.

في كنيسة حمود بالكرك، يوم الجمعة 23 تشرين الأول، لم يُستهدف أناس أبرياء فحسب، بل استُهدفت فكرة أعمق وأقدم من الجريمة نفسها: فكرة أن الأردني يستطيع أن يعيش آمنًا في وطنه، وأن يعبد الله كما يؤمن، وأن يودّع موتاه بسلام.

ما جرى ليس مجرد حادثة إطلاق نار تُضاف إلى نشرات الأخبار، ولا مأساة تنتهي ببيان إدانة أو أيام حداد. إنه اعتداء على الضمير الجمعي، وعلى تلك الثقة غير المكتوبة التي تربط الأردنيين بعضهم ببعض، وتجعل من اختلاف معتقداتهم ثراءً لا تهديدًا، ومن تنوعهم قوةً لا ضعفًا.

في الكرك، لا يحتاج المسلم والمسيحي إلى دروس في "التعايش"، او "التسامح". فالتعايش هناك ليس شعارًا يُرفع في المؤتمرات، ولا مشروعًا تُخصص له الموازنات، بل حياةٌ عاشت في الأزقة والبيوت والدواوين، وفي الأفراح والأتراح. هو جارٌ يعرف جاره قبل أن يسأله عن دينه، ويدٌ تمتد للمساعدة قبل أن تبحث عن هوية صاحبها.

ولهذا، فإن دم حمود ليس دمًا مسيحيًا وحده، بل دم أردني خالص. دمٌ سال من جسد الوطن، وترك في روحه سؤالًا موجعًا: كيف يصل الإنسان إلى لحظة يرى فيها قتل الأبرياء فعلًا يمكن تبريره؟ وأي ظلامٍ يسكن عقلًا يختار جنازةً ليصنع منها جنازات أخرى؟

إن أخطر ما في العنف ليس الرصاصة التي تقتل الجسد، بل "الفكرة" التي تسبقها، حين يُجرَّد الإنسان من إنسانيته، ويُختزل إلى هوية دينية أو اجتماعية، ويصبح اختلافه مبررًا لاستباحة حياته.

وهنا تكمن مسؤوليتنا الحقيقية.

لا يكفي أن نلاحق الجناة، رغم أن العدالة ومحاسبة المسؤولين ضرورة لا مساومة عليها. علينا أيضًا أن نواجه "ثقافة الكراهية"، وأن نراجع خطابنا الاجتماعي والتربوي والإعلامي، وأن نسأل بجرأة: هل نعلّم أبناءنا احترام الاختلاف، أم نكتفي بتعليمهم احتمال وجوده؟ وهل نبني مواطنةً يتساوى فيها الجميع فعلًا، أم نحتفي بالوحدة في المناسبات ونترك الأحكام المسبقة تنمو في الصمت؟

ثمّة فرقٌ كبير بين مجتمع "لا يتقاتل"، ومجتمع يؤمن أفراده بأن "كرامة كل واحد منهم جزء من كرامة الآخرين".

الأول قد يحافظ على هدوئه بالخوف أو العادة، أما الثاني فيحمي وحدته بالوعي والعدل والمحبة.

ولا يجوز أن نسمح لهذه الجريمة بأن تتحول إلى وقود للشائعات أو الاتهامات الجماعية. فالمجرم مسؤول عن جريمته، ولا يحمل "دينٌ" كامل ولا "مجتمعٌ" بأكمله وزر من ارتكبها. والعدالة التي نطالب بها للضحايا تبدأ أيضًا برفض الظلم في أحكامنا على الآخرين.

اليوم، حمود لا تحتاج إلى خطابات كثيرة، بل إلى قلوب صادقة، وعدالة حاسمة، ودولة تحمي حياة الناس وحرية عبادتهم، ومجتمع يرفض أن يُختطف تاريخه المشترك برصاص مجهولين.

لقد أراد من أطلق النار أن يزرع الخوف، لكن مسؤوليتنا أن نمنع الخوف من التحوّل إلى كراهية، والحزن من التحوّل إلى انقسام.

فالأوطان لا تنهار فقط حين تُنتهك حدودها، بل حين يفقد أبناؤها شعورهم بأنهم أهلٌ في بيتٍ واحد.

دم حمود ليس اختبارًا لقوة أجهزتنا الأمنية وحدها، بل اختبارٌ لإنسانيتنا، ولصدق وحدتنا، ولقدرتنا على أن نحمي بعضنا بعضًا حين يشتد الألم.

ومن الكرك، من حمود، من الكنيسة التي اختلطت فيها دموع الوداع بدماء الأبرياء، يجب أن تخرج رسالة واحدة:

لن نسمح للرصاص أن يقرر من نحن.

فالدم الذي سال في حمود لم يسأل أصحابه عن دينهم قبل أن يسيل، ولا ينبغي لنا أن نسأل عن دينهم قبل أن نحزن عليهم.
رحم الله ضحايا حمود، وشفى جرحاها، وحمى الأردن وأهله.

فدم حمود… دمنا جميعًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :