التعايش لا يُورث… بل يُزرع منذ الطفولة
د.ايمان ايمي بيتاوي
24-10-2026 03:46 PM
حين تغيب قيم التعايش وتقبّل الآخر وقيم السلام واحترام التنوع، يصبح الاختلاف تهديدًا بدلًا من أن يكون مصدرًا للثراء الإنساني. فقبل أن نسأل من أطلق الرصاص… لنسأل: ماذا نزرع في عقول أطفالنا؟
ما حدث في الكرك ليس مجرد خبر مؤلم نقرؤه ثم نطوي صفحته. إن سقوط أبرياء أثناء مشاركتهم في مراسم تشييع جنازة داخل كنيسة يمسّ ضميرنا الإنساني، ويطرح أمامنا سؤالًا يتجاوز الحادثة نفسها: كيف نحمي مجتمعاتنا من ثقافة الكراهية ورفض الآخر؟
لسنا بحاجة إلى أن نتشابه في أدياننا أو أفكارنا أو معتقداتنا حتى نحترم بعضنا بعضًا. فالاختلاف حقيقة إنسانية، أما التعايش فهو قيمة نتعلمها ونمارسها وننقلها إلى الأجيال القادمة.
وهنا تبرز النزاهة بوصفها قيمة أخلاقية ومجتمعية لا تقتصر على محاربة الفساد أو الالتزام بالقوانين، بل تمتد إلى الإنصاف والعدل واحترام كرامة الإنسان، والاعتراف بحقه في أن يكون مختلفًا عنا دون أن يصبح هدفًا للرفض أو الإقصاء.
ولكن السؤال الأهم: متى نبدأ بتعليم هذه القيم؟
الإجابة تبدأ من الطفولة المبكرة.
فالطفل لا يولد وهو يرفض الآخر بسبب دينه أو معتقده أو اختلافه الثقافي. إنه يتعلم المواقف والاتجاهات من البيئة التي ينشأ فيها، ومن الكلمات التي يسمعها، والسلوكيات التي يشاهدها، وطريقة تعامل الكبار مع من يختلفون عنهم.
عندما يسمع الطفل عبارات السخرية من الآخرين، أو يرى التمييز بينهم، فإننا نضع أمامه نموذجًا قد يتعلم منه الإقصاء. وعندما يشاهد والديه ومعلميه يحترمون الاختلاف، وينصفون الآخرين، ويرفضون الظلم، فإننا نقدم له نموذجًا مختلفًا للإنسان والمجتمع.
إن تعليم التعايش لا يبدأ بمحاضرة عن التسامح، بل يبدأ عندما نعلّم طفلًا أن يحترم زميله المختلف عنه، وأن يستمع إلى رأي لا يشبه رأيه، وأن يدرك أن كرامة الإنسان لا تتجزأ.
لهذا، لا يكفي أن نعلّم أطفالنا القراءة والكتابة والحساب، ثم نترك بناء منظومتهم القيمية للصدفة. نحن بحاجة إلى تربية تجعل النزاهة والعدل والتعاطف وتقبّل الآخر جزءًا من الحياة اليومية في البيت والروضة والمدرسة.
وإذا أردنا مجتمعًا متماسكًا، فلا بد أن ننتقل من الحديث عن القيم إلى ممارستها؛ في لغتنا، وفي مناهجنا، وفي تعاملنا مع الآخرين، وحتى في طريقة اختلافنا معهم.
إن إدانة العنف واجب، ومحاسبة مرتكبيه مسؤولية العدالة، ولكن الوقاية من ثقافة الكراهية مسؤولية تربوية ومجتمعية مشتركة.
رحم الله ضحايا الكرك، وألهم ذويهم الصبر، وشفى المصابين، وحفظ الأردن بكل أبنائه.
ولنتذكر دائمًا: لا نستطيع بناء مجتمع آمن بالقوانين وحدها؛ بل نحتاج أيضًا إلى بناء إنسان يؤمن بأن اختلاف الآخر لا ينتقص من حقه في الحياة والكرامة والأمان.
فإذا أردنا أن نحصد التعايش غدًا، فعلينا أن نزرع قيمه في أطفالنا اليوم.
* أستاذة الطفولة المبكرة - الجامعة الاردنية