الأردن ليس ساحةً مستباحة والكرك ليست وحدها
د. بركات النمر العبادي
24-10-2026 03:49 PM
* الإرهاب لن يهزم الأردن ولن يقدر على تمزّيق وحدته الوطنية
ليست مجزرة الكرك جريمةً عابرة، ولا اعتداءً على أرواح بريئة فحسب؛ إنها سقوط أخلاقي مدوٍّ لكل فكرٍ متطرف يستبيح الدم، ويحوّل الإنسان إلى هدف، والدين إلى ذريعة للقتل، والوطن إلى ساحة لمشروعات الخراب. إن الذين يرتكبون هذه الجرائم ليسوا أصحاب قضية، ولا حماة دين، ولا أنصار حق؛ إنهم مجرمون تجردوا من أبسط معاني الإنسانية، وتنكّروا لكل قيمة دينية وأخلاقية، حتى غدت أرواح الأبرياء في حساباتهم الرخيصة أرقامًا على طريق الوهم والدمار
وفي هذا المصاب الجلل، نتقدم بأصدق مشاعر العزاء وعظيم المواساة إلى أسر الشهداء وذويهم ، وإلى أهلنا في الكرك ، وإلى جميع الأردنيين ، سائلين الله العلي القدير أن يتغمد من ارتقوا إلى خالقهم بواسع رحمته ومغفرته، وأن يتقبلهم شهداء مطهّرين بإذنه تعالى، ويسكنهم فسيح جناته، ويلهم أهلهم ومحبيهم جميل الصبر وحسن العزاء. لقد فقد الأردن أبناءً أعزاء، لكن ذكراهم ستبقى حاضرةً في ضمير الوطن ووجدان أبنائه، وستظل دماؤهم الطاهرة تزيدنا إصرارًا على حماية الأردن وصون وحدته الوطنية والوقوف صفًا واحدًا في وجه الإرهاب والتطرف. رحم الله الشهداء، وجعل مثواهم الجنة، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء.
أيُّ دينٍ هذا الذي يبيح قتل الأبرياء؟ وأيُّ عقيدةٍ تلك التي ترى في سفك الدماء طريقًا إلى الخلاص؟ إن الإسلام الذي يعرفه الأردنيون، ويؤمنون برسالته، بريء من هذا الفكر المنحرف، كما أن المسلمين والمسيحيين في الأردن جميعًا يرفضون هذا الإجرام، ويقفون في وجه كل من يحاول أن يتخذ من الدين ستارًا لجريمته. فلا التكفير يصنع إيمانًا، ولا الإرهاب يبني دولة، ولا دماء الأبرياء تمنح القتلة مجدًا؛ بل تفضح خواءهم، وتكشف مقدار ما بلغوه من انحطاط فكري وأخلاقي.
وللكرك في الوجدان الأردني مكانة لا تختزلها الكلمات. إنها مدينة التاريخ والكرامة والوفاء، التي عاش أبناؤها المسلمون والمسيحيون عائلةً واحدة، يتقاسمون الأفراح والأتراح، ويحفظون الجيرة، ويصونون العيش المشترك منذ قرون. لم تكن المواطنة في الكرك شعارًا موسميًا، بل كانت حياةً يوميةً وعلاقات إنسانية متجذرة في الأرض والذاكرة. ولهذا فإن استهداف أبنائها أو محاولة بث الخوف والفرقة بينهم هو اعتداء على جوهر التجربة الوطنية الأردنية، وعلى تاريخٍ صنعه الأردنيون معًا، مسلمين ومسيحيين، دون أن يسمحوا للخلاف الديني أن يتحول إلى حاجز بينهم.
إن أعداء الأردن لم يتوقفوا عن محاولة ضرب وحدته الوطنية، تارةً بإثارة الفتنة بين الأردنيين من أصول شرق أردنية والأردنيين من أصول فلسطينية، وتارةً بمحاولات التشكيك في الهوية الوطنية أو استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لتوسيع الشروخ. لكن هذه المحاولات اصطدمت، وستظل تصطدم، بوعي الأردنيين وإدراكهم أن هذا الوطن لا يقوم على الإقصاء، بل على المواطنة والانتماء والولاء للدولة ومؤسساتها الدستورية وقيادتها الهاشمية.
واليوم، حين يمتد الإرهاب إلى مفاصل حساسة في وجداننا الوطني، فإن الواجب يقتضي أن نكون أكثر يقظةً، لا أكثر خوفًا؛ وأكثر تماسكًا، لا أكثر انقسامًا. فالمعركة الحقيقية ليست بين الأردنيين، وإنما بين دولةٍ تؤمن بالحياة والكرامة وسيادة القانون، وفكرٍ ظلامي لا يستطيع أن يعيش إلا على الدم والكراهية والفوضى.
ومن هنا، فإن أي محاولة لربط الجريمة بطائفة أو منطقة أو أصل اجتماعي ليست إلا خدمةً مجانية لأهداف الإرهاب. فالقاتل يُحاسَب على جريمته، والفكر المتطرف يُواجَه بالحجة والقانون، ولا يجوز أن تتحول دماء الضحايا إلى مادة للتحريض أو الانتقام الجماعي. إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على ملاحقة المجرمين، بل كذلك بقدرتها على حماية المجتمع من الفتنة، وصيانة الحقوق، وترسيخ العدالة.
أما الحديث عن الجهات التي قد تستفيد من إضعاف الأردن أو العبث بوحدته، فيجب أن يُقرأ بوعي ومسؤولية. فمن حق الأردنيين أن يحذروا من مخططات أعدائهم، وفي مقدمتهم الاحتلال الإسرائيلي وسياساته التي تستهدف القضية الفلسطينية وتهدد استقرار المنطقة، لكن اتهام أي جهة بالوقوف وراء جريمة محددة يحتاج إلى أدلة وتحقيقات موثوقة. إننا لا نواجه التضليل بالتضليل، ولا نحمي الوطن بإطلاق الاتهامات دون بينة؛ بل نحميه بالوعي، والمعلومة الدقيقة، والثقة بمؤسسات الدولة المختصة.
وفي هذا السياق، يحق للأردنيين أن يتساءلوا عن توقيت محاولات استهداف أمنهم، وأن يقرأوا الأحداث في ضوء ما تشهده المنطقة من صراعات ومحاولات لإعادة تشكيل موازين القوة. كما يحق لهم أن يستحضروا مواقف جلالة الملك عبد الله الثاني في الدفاع عن الأردن والقضية الفلسطينية والقدس، وأن يؤكدوا أن موقف الأردن المستقل، ورفضه التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، لن يتغير تحت ضغط الإرهاب أو الابتزاز السياسي. لكن تبقى الحقيقة في أي حادثة بعينها رهينة ما تثبته الوقائع والتحقيقات، لا ما تمليه الظنون.
إن الفكر المحافظ الأردني، في جوهره، يرى أن تماسك المجتمع هو أحد أعمدة قوة الدولة، وأن القيم الدينية والوطنية لا تُصان بالشعارات، بل بحماية الإنسان والأسرة والجيرة والثقة بالمؤسسات. فالوطن ليس أرضًا نعيش عليها فحسب، بل رابطة تاريخية وأخلاقية تجمعنا، ومسؤولية نتحملها تجاه بعضنا بعضًا، وأمانة نسلمها إلى الأجيال القادمة أكثر تماسكًا وقدرةً على مواجهة التحديات.
وإننا، في هذه اللحظة الوطنية الصعبة، نعاهد الله، ونجدد ولاءنا لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ونؤكد وقوفنا خلف قواتنا المسلحة الأردنية – الجيش العربي، ومديرية الأمن العام، ودائرة المخابرات العامة، وكل مؤسسات الدولة التي تحمل مسؤولية حماية الأردن وأمن مواطنيه. وسنظل، بالكلمة والموقف والعمل الوطني المسؤول، سدًا منيعًا أمام كل من تسوّل له نفسه استهداف وطننا أو العبث بوحدته أو النيل من أمنه واستقراره.
لكن عهدنا للأردن لا يكون بالغضب وحده؛ بل بالوعي، وبالعمل، وبالوقوف في وجه خطاب الكراهية، وبحماية النسيج الاجتماعي من كل محاولة للتمزيق، وبالتمسك بسيادة القانون والعدالة. فالإرهاب يريدنا خائفين ومتفرقين، وأعداء الأردن يريدوننا منشغلين بصراعاتنا الداخلية، أما واجبنا الوطني فهو أن نفوّت عليهم الفرصة، وأن نجعل من وحدتنا مصدر قوة، ومن اختلافاتنا مساحة للتكامل، ومن مؤسساتنا الدستورية حصنًا للدولة.
الكرك ليست وحدها، والأردن ليس ساحةً مستباحة، ووحدتنا الوطنية ليست ورقةً في يد الإرهاب أو أعداء الوطن.
سيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الأصيل ومؤسساته الراسخة، وطنًا عصيًّا على الفتنة والانقسام. وستظل دماء الأبرياء دينًا في أعناقنا، لا نفيه بالشعارات، بل بالعدالة وحماية الإنسان وملاحقة المجرمين. أما أولئك الذين ظنوا أن الإرهاب قادر على كسر إرادة الأردنيين، فليدركوا أن هذا الوطن أكبر من جرائمهم، وأن شعبه، حين تُستهدف كرامته ووحدته، يزداد تمسكًا بأرضه وهويته ودولته.
حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية من كل كريهة ، وقيادته وشعبه من كل شرٍّ وفتنة و عاش الأردن آمنًا موحدًا ، وعاشت الكرك قلعةً للكرامة والوفاء.
* الامين العام المساعد للتثقيف الحزبي في حزب المحافظين الاردني